البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص238

تنبيهات:
الأول: كما يجري الخلاف في العلل الشرعية فكذلك يجري في العلل العقلية, وأنه يتخلف عنها معلولها, فأجازه الفلاسفة ومنعه المتكلمون. حكاه ابن دقيق العيد رحمه الله. لكن الأستاذ حكى إجماع الجدليين على أن الدليل العقلي لا يخصص, وعلى أن تخصيصه نقض له, وعلى أن نقضه يمنع عن التعلق به, ولذا قال ابن فورك: العلل العقلية لا يجوز تخصيصها بلا خلاف.
الثاني : أن هذه المسألة من فروع القول بتخصيص العلة, فإن جوزنا تخصيصها لم يتجه القدح بالنقض, وإلا اتجه.
الثالث : ادعى إمام الحرمين في “البرهان “أن الخلاف في هذه المسألة لفظي لا معنوي, وهو ظاهر كلام ابن الحاجب والبيضاوي أيضا, وكذلك الغزالي. وأنه يلتفت إلى تفسير العلة بماذا؟ إن فسرت بالموجبة فلا تتصور عليتها مع الانتقاض, أو المعرفة فتصورت وليس كذلك فليس الخلاف بلفظي. وله فوائد: “إحداها” جواز التعليل بعلتين أم لا “الثانية” أن من منع التخصيص لا يجوز أصلا تطرقه إلى نص الشارع على التعليل به. وإن أومئ إليه تبين أن ذلك لم يكن إيماء إلى التعليل لورود التخصيص. والمجوز للتخصيص يقول: يبقى ذلك علة في محله. ذكرها الغزالي في “المنخول”, “الثالثة”: انقطاع المستدل, إن قلنا: يقدح, وعدم انقطاعه إن منعناه.
الرابع : هل يسمع من الجدلي قولنا: أردت بالعموم الخصوص أو لا؟ فالقائلون بتخصيص العلة يسمعونه, والمانعون لا يسمعونه. وقد نقل إمام الحرمين في “تدريسه في أصول الفقه “علقه عنه بعض تلامذته, أن الأستاذ أبا إسحاق قال: إطلاق اللفظ العام والمراد به البعض سائغ. وأما المعلل بلفظ عام فلا يقبل منه إذا نقض عليه كلامه وقال: إنما أردت كذا, إذ لو جوزنا ذلك لما تصور إبطال علة أصلا. والفرق أن الواحد منا إنما يخاطب ليفهم صاحبه ويفهم عنه, وصاحب الشرع له أن يبين ويؤخر البيان إلى وقت الحاجة ويخاطب بمحتمل, ولا يجوز لواحد منا أن يعلل العلة مجملة ويفسرها. “قال”: ومن العلماء من جوز ذلك “قال”: ومجوزه لا يميز. انتهى.
وهذا الذي نقله عن الأستاذ قد يستشكل بما حكاه في “البرهان “عن الأستاذ أيضا أنه قال في علة الشارع: يجب اطرادها ولا يجوز أن يرد عليها ما يخالف طردها.

اكتب تعليقًا