وقد يجاب بأن ورودها في كلام الشارع يبين أنه لم يرد محل النقض وأنه إنما جعلها علة فيما وراءه, وذلك مقبول منه, بخلاف غيره فإنه لا يسمع منه قوله بعد الإطلاق: إنما أردت أنها علة فيما وراء ذلك المخرج. والحق أنه لا يسمع لأنه كالدعوى بعد الإقرار.
وقال صاحب المحصول: قولهم: إن الخلاف لفظي مردود, لأنه إذا فسرنا العلة بالداعي أو بالموجب لم نجعل العدم جزءا من العلة, بل كاشفا عن حدوث العلة, ومن يجوز التخصيص لا يقول بذلك. وإن فسرنا بالأمارة ظهر الخلاف في المعنى, لأن من أثبت العلة بالمناسبة بحث عن ذلك القيد العدمي, فإن وجد فيه مناسبة صحح العلة وإلا أبطلها.
ومن يجوز التخصيص لا يطلب المناسبة ألبتة من هذا القيد. وما ذكروا من تكرر وجود الغيم ولا مطر مع أن كونها أمارة لم يزل, قد رده ابن السمعاني فقال: الأمارة وإن لم تزل إلا أنه لا بد أن تضعف, ولا بد في الأمارة من توفر القوة من كل وجه, لأن هذا ظن يثير حكما شرعيا, فلا بد من بلوغه نهاية القوة, وأن لا يتوهم قوة من الظن وراء قوته حتى يعلق به الحكم الشرعي, وذلك لوجود الاطراد حتى لا تتخلف هذه الأمارة في موضع ما, فإذا تخلفت لم تتوفر القوة من كل وجه “قال”: وهذا جواب حسن اعتمدته, وهو محل الاعتماد.
الخامس : إذا ذكر علة فنقض عليه بما خص به النبي صلى الله عليه وسلم, فهل يلزم ذلك؟ فيه وجهان حكاهما الشيخ أبو إسحاق. أحدهما: لا, لأن المخصوص في حكم المنسوخ فلا تنقض العلة به. والثاني: نعم, لأن نقض العلة بحكم في الشرع, فأشبه النقض بما لا يخص به.