البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص246

الثاني الكسر
وهو عند الأكثرين من الأصوليين والجدليين عبارة عن إسقاط وصف من أوصاف العلة المركبة وإخراجه عن الاعتبار بشرط أن يكون المحذوف مما لا يمكن أخذه في حد العلة. ومنهم من فسره بأنه يستدل بعلة على حكم يوجد معنى تلك العلة في موضع آخر, ولا يوجد معها ذلك الحكم.
مثاله أن يكون له ولد, وله ولد, فيهب لولده شيئا ويقول: وهبت له لأنه ولدي, فيقال له: فينكسر عليك بولد ولدك, لأن معنى الولد موجود فيه.
والدليل على أن الاعتراض به صحيح ما رواه البيهقي أنه صلى الله عليه وسلم دعي إلى دار فأجاب, ودعي إلى دار أخرى فلم يجب, فقيل له في ذلك فقال: “إن في دار فلان كلبا” فقيل: وفي هذه الدار سنور, فقال: “السنور سبع” 1. وجه الدلالة أنهم ظنوا أن الهرة تكسر المعنى, وهو الاحتياج إليه في البيت كالكلب, فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على اعتراضهم وأجاب بالفرق وهو أن الهرة سبع, أي ليست بنجسة فدل على أن الكلب نجس.
وهو ضربان:
أحدهما: أن يبدل ذلك الوصف الخاص بوصف عام ثم ينقضه عليه, كقولنا في إثبات صلاة الخوف: صلاة يجب قضاؤها فيجب أداؤها كصلاة الأمن. فيعترض أن كونها صلاة لا أثر لها, لأن الحج كذلك, فلم يبق إلا الوصف العام وهو كونه عبادة, فينكسر بصوم الحائض.
والثاني : أن لا يفعل ذلك, بل يعرض عن ذلك الذي أسقطه بالكلية, ويذكر صورة النقض, كما لو أسقط في المثال قولنا: فيجب أداؤها, إذ ليس كل ما يجب أداؤه يجب قضاؤه بدليل الحائض. قال الشيخ أبو إسحاق: وهذا القسم أكثر وقوعه في الوصف الذي لا يؤثر. وحاصله أن هذا الاعتراض راجع إلى عدم التأثير والنقض, كقولنا في بيع الغائب مثلا: بيع مجهول الصفة عند العقد فلا يصح, كما لو
ـــــــ
1 الحديث رواه أحمد في مسنده “2/327” حديث “8324” ورواه الدارقطني في سننه “1/63” والبيهقي في الكبير “1/251” حديث “1121”.

اكتب تعليقًا