البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص256

ذلك الأصل. والجمهور على إمكانه. وأجابوا عن هذا بأن الحكمين غير متنافيين لذاتهما, فلا جرم يصح اجتماعهما في الأصل, لكن قام الدليل على امتناع اجتماعهما في الفرع, فإذا أثبت القالب الحكم الآخر في الفرع بالرد إلى الأصل وشهادة اعتباره امتنع ثبوت الحكم الأول فيه. وأحال إمام الحرمين إشعار الوصف الواحد بحكمين متناقضين, فمنع الشارح الإبياري التناقض بين حكمي العلة وقلبها في الثاني, واستدل على عدم التناقض باجتماع الحكمين في الأصل. قال ابن المنير: والصواب منع الإمام بالنسبة إلى مواضع المستدل والقالب, لأنهما تواضعا على أنهما لا يجتمعان في الفرع ولا يرتفعان عنه, فهي مناقضة بالمواضعة, لا بالحقيقة. لكن لا أصوب قوله: إن الوصف الواحد لا يشعر بمتناقضين, فإنه قد يشعر بهما, بدليل قوله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر} [البقرة: 219] غاية ما في الباب أن الوفاء بالحكمين لا يتصور, فتعين أحدهما بالترجيح, كما قال تعالى: {وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219] فنبه على رجحان المفسدة.
الثالث – في أنه قادح أم لا: وقد اختلفوا فيه:
فقيل: هو إفساد العلة مطلقا, فلا يصح التعليق بها لواحد منهما. ونقل تسليم الصحة مطلقا لأن الجامع دليل, والخلاف في أنه دليل للمستدل أو عليه, وهذا ظاهر قول من يسميه “معارضة”, فإن المعارضة لا تفسد العلة, فلا يمنع من التعلق بها حتى يثبت رجحانها من خارج. وهو قول الشيخ أبي إسحاق.
وقيل: إنه تسليم للصحة, على تقدير الصحة.
وظاهر كلام إمام الحرمين أنه لازم جدلا لا دينا, ولهذا قال: تلتبس فيه الحظوظ المعنوية بالمراسم الجدلية, بخلاف المعارضة فإنها مناقضة دينا وجدلا.
والمختار عند الجمهور أنه حجة قادحة في العلة. قال الشيخ أبو إسحاق: وذكر الشيخ أبو علي الطبري من أئمة أصحابنا أنه من ألطف ما يستعمله الناظر. وسمعت القاضي أبا الطيب الطبري يقول: إن هذا القلب إنما ذكره المتأخرون من أصحابنا حيث استدل أبو حنيفة رحمه الله بقوله عليه السلام: “لا ضرر ولا ضرار” 1 في مسألة الساحة, قال: في هدم البناء ضرر بالغاصب, فقال له أصحابنا: وفي منع صاحب
ـــــــ
1 سبق تخريجه.

اكتب تعليقًا