البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص295

بقياس على وجه لا بد له من الترجيح بالنص.
وأما الثاني ففيه انتقال من محل إلى محل, مع بقاء مسلك المناسبة والاقتران, مع أن في [ذلك] تطويل الطريق بلا فائدة.
إذا علمت ذلك فالإلغاء ضربان:
أحدهما: بإيماء النص, وهو قسمان:
أحدهما : ما لا يتصور الجمع بينه وبين وصف المستدل, لقيام الإجماع على أن العلة في الأصل غير مركبة, بل لا يكون إلا وصفا واحدا, كقول الشافعي فيما لا يكال ولا يوزن من القثاء والبطيخ إنه يجري فيه الربا, لأنه مطعوم, فالتحق بالأشياء الأربعة. فعارض الحنفي في الأصل بالكيل. فيقول الشافعي: وصف الكيل ملغى بإيماء قوله صلى الله عليه وسلم: “لا تبيعوا الطعام بالطعام, إلا سواء بسواء” فإنه يدل على التحريم على هذه الصفة, وترتيب الحكم على الوصف المشتق يدل على كونه علة مستقلة. فإن قيل للشافعي: تركت النص أولا: فلم تستدل به, واستدللت بغيره على وجه لا بد لك معه من النص, وهذا تطويل. فالجواب أنه لو استدل أولا بالنص لاحتاج أن يثبت أن الاسم المفرد يقتضي الاستغراق, وهي مسألة أخرى فكان الأقرب إلى مقصوده أن يستدل بغير النص ويدخر النص لمقصوده الإلغاء, وهذا مقصود صحيح. فإن كان هذا العذر مطردا في جميع صور الإلغاء كان السؤال السابق مندفعا. وثانيهما ما يتصور فيه الجمع بين الوصفين, كقول الشافعي في المرتدة: يجب قتلها, لأنه شخص كفر بعد إيمانه, كالرجل. فيقول الحنفي: أعارض في الأصل: الوصف في الرجولية فإنه مناسب لما فيه من الإضرار الناجز بالمسلمين, وذلك مفقود في المرأة. فيقول الشافعي: وصف الرجولية ملغى بإيماء قوله صلى الله عليه وسلم: “من بدل دينه فاقتلوه” 1 فإنه يدل على قتل جميع المرتدين من جهة تعليقه بصيغة العموم بوصف “التبديل”.
الثاني: إلغاء بتبديل الأصل:
وصورته أن يبين المستدل صورة ثالثة يثبت فيها الحكم المتنازع فيه بالإجماع على وفق علته بدون ما عارض به المعترض في الأصل الثاني, إذ لا يتصور أن يكون معتبرا فيه مع كونه معدوما.
ـــــــ
1 الحديث رواه البخاري كتاب استتابة المرتد باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم حديث “6922”.

اكتب تعليقًا