البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص297

“التلويح”: صار الغزالي إلى بطلان المعارضة على ما سمعنا الإمام ينقله عنه وكان الحامل له على ذلك امتناع التناقض في أدلة الشرع, فإذا اعترف السائل بصحة علة المعلل واستقلالها بالحكم, والمسئول ينكر صحة تعليله. وإن هو أراد إظهاره فقد تناقض وقال بتعارض النصوص, ولأن حق السائل أن يكون هادما غير بان, والمعارضة تقتضي البناء إن كان الترجيح لتعليل السائل أو ساقطة إن كان الترجيح لعلة المسئول, فلا يخلو من طرفي نقيض ووجهي فساد. ونحن نقول: السائل لم يقصد البناء, وإنما يقصد الهدم, فإن مقصوده إعانة المسئول على إتمام غرضه بإيضاح الترجيح, ولا ينال هذه إلا بالمعارضة. “قال”: ولا خلاف أن المعلل لو استدل بظاهر فللسائل أن يؤول ويعتضد بالقياس, وإذا صحت المعارضة فالسائل لا يرجح, فإنه يكون بانيا, هذا إذا أمكنه قطع الترجيح عن الدليل. فأما إذا كان الدليل في وضعه أرجح فلا وجه لمنعه على قول من قبل المعارضة, فإنه ربما لا يجد غيره. فإن رجح المسئول مكن السائل من معارضة الترجيح “انتهى”.
ثم لا يجب على المعترض أن يبين أن ما عارض به مساو لدليل المستدل, بل يكفي منه بيان مطلق المعارض. وهذا بخلاف المستدل فإنه لا يكتفى منه في دفعها إلا ببيان أن دليله راجح على ما عارض به المعترض, لأن المستدل مدع لاستقلال دليله بالحكم, والمعارض منكر له, والمنكر يكفيه مطلق الإنكار, بخلاف المدعي.
وإذا تمت المعارضة من السائل فهل ينقطع المستدل أم يسمع منه الترجيح؟ فقيل: ينقطع. والصحيح أنه ينقطع إن عجز عن ترجيح دليله. وجوابه بالقدح بما يرد على ذلك إن كان من جهة المستدل.
واختلفوا في مسألتين:
إحداهما: في دفعه بالترجيح بمرجح أقوى من مرجحه:
فقيل: يمنع, لأنه وإن كان مرجوحا فلا يخرج عن كونه اعتراضا والمختار – ورجحه المحققون – جوازه لأنه موطن تعارض, وقد لا يجد السائل غيره مرجحا. وقضية كلام إمام الحرمين أن السائل إذا عارض المستدل بترجيح أقوى, وهو قادر على ترجيح مساو فقد تعدى. وليس كذلك, بل له المعارضة بالأقوى مع وجود المساوي, لأنه لم يذكر الأقوى من جهة كونه أقوى, بل من جهة كونه معارضا, ومزية القوة مصادفة. وقال ابن المنير: الأولى أن يذكر الأقوى, لأنه إذا ساغ له الترجيح المساوي فالأقوى

اكتب تعليقًا