البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص308

فصل في الانتقال
وقد منعه الجمهور. وقال الشاعر:
وإذا تنقل في الجواب مجادل … دل العقول على انقطاع حاصر
ولأنا لو جوزناه لم بات إفحام الخصم ولا إظهار الحق, وذلك لأنه يشرع في كلام وينتقل إلى غيره قبل تمام الأول وهكذا إلى ما لا نهاية له, فلا يحصل المقصود من المناظرة وهو إظهار الحق وإفحام الخصم.
واستثنوا من ذلك ما إذا استفاد من الكلام المتنقل عنه فائدة لو لم يذكره أولا لم تحصل له تلك الفائدة. ذكره صاحب “الإرشاد”.
فأما السائل لو انتقل من السؤال قبل تمامه وقال: ظننت أنه لازم فبان خلافه فمكنوني من سؤال آخر ففيه خلاف حكاه بعضهم, وقال الأصح أنه يمكن منه إذا كان انحدارا من الأعلى إلى الأدنى. فإن كان ترقيا من الأدنى إلى الأعلى, كما لو أراد الترقي من المعارضة إلى المنع فقيل: لا يمكن لأنه مكذب لنفسه. وقيل: يمكن, لأن مقصوده الإرشاد.
وأما المسئول فيمكن من الغرض كما سيأتي. ولو أراد العدول من دليل إلى دليل لا يؤيد الأول كان منقطعا. فإن ترك الدليل الأول لعجز السائل عن فهمه لا يعد انقطاعا. وعلى ذلك حملت قضية إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه. وجوز بعضهم الانتقال مطلقا. محتجا بالاحتجاج على الكافر {فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب} [البقرة: 258] بعد الاحتجاج عليه بأن الله يحيي ويميت. قال الأصفهاني: وهذا ليس بانتقال, بل هو في غاية الحسن والكمال في صنعة الجدل وبيانه أنه لما وضع الاحتجاج على الملحد بما يعجز هو عنه ويعترف به. وذلك بأن الله يحيي ويميت, أورد الملحد شبهة خيالية عليه فبدل ذلك المثال المعجوز عنه بمثال لا يقدر على إيراد شبهة خيالية عليه, وهو قوله: {فإن الله يأتي بالشمس من المشرق} [البقرة: 258]. وهذا لأن كل واحد من المثالين يعجز عنه الملحد قطعا, إلا أن المثال الثاني لا قدرة له ولا لغيره على إيراد شبهة خيالية عليه, فإذن الدليل على أن الله قادر على ما

اكتب تعليقًا