وإياك أن تستصغر خصما, فإن استصغرته فالوجه أن لا تكلمه, فلربما هجم من استصغاره الانقطاع لقلة التحفظ منه والاهتمام به, فقد رأيت ذلك مشاهدة. وإن كنت في محفل فيه عامة فمتى ذهبت تراعيهم بطل ما يحتاج إلى تدبره وتفهمه, ولا يغرنك ميل بعض الناس إلى الخصم, أو تفضيل العامة لصياح الخصم فالعمل على أهل التمييز.
ومتى سبقت منك كلمة ليست بصواب فلا تقف عليها واعترف بها, فإنها سبق لسان, فإنك إن أخذت في تصحيحها ذهب عنك صحيح الكلام.
واعترف بالحق إذا وضح, فإن لم يضح فالزم بالبرهان, فإنه عسر جدا. وامنع خصمك من الإقبال على غيرك إذا كان مناظرا واستعمل مثله معه ولا يكن همك إلا ما قام به مذهبك ولا تشتغل بسواه.
ولا يعطفنك أناس من خاطر, فربما بان وجاء وأنت في حال الفكر وهذا علامة الطبع الجيد.
ولا تتكلم في موضع العصبية عليك, أو في مجلس تخاف منه صاحبه فإنه يميت الفكر.
ولا تخاطب من لا يفهم عنك إلا أن يكون مرشدا وهذه سياسة فاستوص بها. “انتهى”.
وعن ابن سريج: كل خاطر يجيئك بعد المناظرة فاحبس عليه, حكاه ابن الصلاح في “الرحلة “وكان الإمام محمد بن يحيى إذا أفحمه خصمه في المناظرة قال: ما ألزمت لازم, فأنا فيه ناظر {وفوق كل ذي علم عليم} [يوسف: 76].
فائدة:
إذا قلت للمستدل: “قولك لا يصح “احتمل معنيين: “أحدهما” الحكم بعدم الصحة و “الثاني” أنك لا تحكم بالصحة. وفرق بين الحكم بعدم الشيء وبين عدم الحكم بالشيء, لأن الحكم بالعدم لا يكون إلا من عالم بذلك العدم, وعدم الحكم بالشيء يكون من الشاك في ذلك الشيء والمتردد فيه. فتفطن بمعاني العبارات.