البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص321

الاستقراء
وهو تصفح أمور جزئية ليحكم بحكمها على أمر يشمل تلك الجزئيات1. وينقسم إلى: تام, وناقص. فالتام: إثبات الحكم في جزئي لثبوته في الكلي على الاستغراق. وهذا هو القياس المنطقي المستعمل في العقليات. وهو حجة بلا خلاف.
ومثاله: كل صلاة فإما أن تكون مفروضة أو نافلة, وأيهما كان فلا بد وأن تكون مع الطهارة. فكل صلاة فلا بد وأن تكون مع طهارة. وهو يفيد القطع, لأن الحكم إذا ثبت لكل فرد من أفراد شيء على التفصيل فهو لا محالة ثابت لكل أفراده على الإجمال.
والناقص: إثبات الحكم في كلي لثبوته في أكثر جزئياته من غير احتياج إلى جامع. وهو المسمى في اصطلاح الفقهاء ب “الأعم الأغلب”. وهذا النوع2 اختلف فيه, والأصح أنه يفيد الظن الغالب, ولا يفيد القطع. لاحتمال تخلف بعض الجزئيات عن الحكم, كما يقال: التمساح يحرك الفك الأعلى عند المضغ. فإنه يخالف سائر الحيوانات في تحريكها الأسفل. واختاره من المتأخرين صاحب الحاصل “والمنهاج” والهندي.
ومنهم من رده بأن معرفة جميع الجزئيات مما يعسر الوقوف عليها, فلا يوثق به إلا إذا تأيد الاستقراء بالإجماع. واختاره الرازي فقال: الأظهر أنه لا يفيد الظن إلا بدليل منفصل, ثم بتقدير الحصول يكون حجة. واقتضى كلامه أن الخلاف إنما هو في أنه هل يفيد الظن أم لا؟ لا في أن الظن المستفاد منه هل يكون حجة أم لا؟. والمذهب الأول, ولهذا لما علمنا اتصاف أغلب من في دار الحرب أو وصفهم بالكفر غلب على ظننا أن جميع من نشاهده منهم كذلك, حتى جاز لنا استرقاق الكل ورمي السهام إلى جميع من في صفهم. ولو لم يكن الأصل ما ذكرنا لما جاز ذلك.
وقد احتج الشافعي بالاستقراء في مواضع كثيرة, كعادة الحيض بتسع سنين, وفي أقله وأكثره, وجرى عليه الأصحاب وقالوا: فلو وجدنا المرأة تحيض أو تطهر أقل من
ـــــــ
1 انظر نهاية السول “1/188” مناهج العقول “3/159”.
2 انظر شرح تنقيح الفصول ص “448” المستصفى “1/51”.

اكتب تعليقًا