البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص323

قال: ويدل على فساد هذا القول قوله تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} [النحل: 116] فأخبر أن التحريم والتحليل ليس إلينا, وإنما هو من عنده, وأن الحلال والحرام لا يعلم إلا بإذنه. وقال: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم} [الأنعام: 119] وكل هذا يدل على إبطال القول بأن حكم الأشياء في السمع الإباحة. وأما الجواب عن أدلتهم, فهي فيما ورد الشرع بإباحته.
والكلام في إباحة الجملة بقوله: {قل لا أجد} . يصلح أن يحتج به على أن الأصل في المأكولات الإباحة, وإنما الممتنع الإباحة المطلقة. وقوله صلى الله عليه وسلم: “وما سكت فهو مما عفي عنه” 1 يريد: من ذلك النوع الذي كان الخطاب متعلقا به. ألا ترى أنه قال: “الحلال بين, والحرام بين, وبينهما أمور مشتبهات” 2 فشرك بينهما, ولم يجعل الأصل أحدهما.
واحتج غيره للقائلين بأن الأصل الإباحة بقوله تعالى: {خلق لكم ما في الأرض جميعا} [البقرة: 29] ذكره في معرض الامتنان, واللام للاختصاص. وأورد أنها تأتي لغير الانتفاع كقوله تعالى: {وإن أسأتم فلها} [الاسراء: 7] ورجح الأول بالظهور. وكذلك قوله: {أحل لكم الطيبات} [سورة المائدة: 5], {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده} [الأعراف: 32] لأنه استفهام إنكار فيدل على امتناع تحريم مطلق الزينة, ويلزم من امتناع تحريم مسمى الزينة أن لا يحرم شيء من آحادها, فإذا انتفت الحرمة بقيت الإباحة, وهو المطلوب. وقوله: {الله الذي سخر لكم البحر} [الجاثية: 12] إلى قوله {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} [الجاثية: 13] وفي الصحيحين “من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء [لم] يحرم على السائل فحرم من أجل
ـــــــ
1 رواه الترمذي “4/220” كتاب اللباس باب ما حاء في لبس العزاء حديث “1726” وابن ماجة “2/1117” كتاب الأطعمة حديث “3367” كلاهما عن سلمان قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والحبن والفراء؟ فقال: “الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه. وما سكت عنه فهو مما عفا عنه فال أبو عثمان عن سليمان قوله. وكان هذا الحديث الموفوف أصح وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أراه محفوظا والحديث جسنه الشيخ الألباني.
2 رواه البخاري في صحيحه كتاب الإيمان باب فضل من استبرأ لدينه حديث “52” ورواه مسلم “3/1219” كتاب المساقاة باب أخذ الحلال وترك الشبهات حديث “1599”.

اكتب تعليقًا