مسألته” 1 وهذا ظاهر في أن الأصل في الأشياء الإباحة, وأن التحريم عارض. وعن سلمان الفارسي قال: سئل رسول الله عن السمن والجبن والفراء فقال: “الحلال ما أحل الله في كتابه, والحرام ما حرمه الله في كتابه, وما سكت عنه فهو مما عفي عنه” رواه ابن ماجه والترمذي.
ولا يخفى أجوبة ذلك مما سبق عن القاضي. على أن هذا الحديث يقتضي أنه لا يقال في هذا النوع أن الشرع أذن فيه, بل عفي, ولا يوصف بإذن ولا منع. وليس في الآيات المستدل بها إلا أنها خلقت لنا وسخرت لنا, ولا يدل ذلك على أنها أبيحت لنا, إذ يجوز أن يخلق لنا ولا يباح, بل يتوقف ذلك على إذن من جهته, كذا قاله ابن برهان في كلام له, قال: فصار هذا بمثابة قول السلطان لجنده: هذه الأموال التي أجمعها لكم. فلا. يدل على أنه أباحها لهم وأذن لهم في التناول, بل قد يجوز أن يجمعها لهم وإنما بإذن في الأخذ بعد زمان آخر, فلا بد إذن من إذن جديد, وزيف قول أبي زيد إن الأفعال لا حكم لها قبل الشرع, وبعدما ورد الشرع تبينا بالأدلة الشرعية أنها كانت مباحة. قال: ثم هو معارض بقوله تعالى: {ونهى النفس عن الهوى} [سورة النازعات: 40] وأما احتجاج الرازي بأنه انتفاع لا يضر بالمالك قطعا, فليس على أصلنا, لابتنائه على التحسين العقلي.
وأما الدليل على تحريم المضار, فقوله صلى الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار” 2 وهو عام. وضعف ابن دقيق العيد الاستدلال [به], لأن السابق إلى الفهم, النهي عن الإضرار, ولا إضرار بالنفس, فقد يؤخذ على عمومه فيدخل فيه الإضرار بالنفس, فيتم الدليل.
ـــــــ
1 الحديث رواه البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه حديث “7289” ورواه مسلم “4/1931” كتاب الفضائل باب توقيره صلى الله عليه وسلم وترك إكثار سؤاله عما لا ضروررة إليه…., حديث “2358”.
2 حديث صحح رواه ابن ماجة “2/784” حديث “2340” عن عبادة بن الصامتورواه أحمد في مسنده “1/313” حديث “2867” والدارمي في سننه “4/228” وأبو يعلى في مسنده “4/397” حديث “2520” والطبراني في الكبير “11/302” عن ابن عباس مرفوعا ورواه الحاكم في المستدرك “2/66” حديث “2345” والبيهقي في الكبرى “6/69” حديث “11166” عن أبي سعيد الخدري مرفوعا ورواه الدارقطني في سننه “4/227” والطبراني في الأوسط “1/193” حديث “270” عن عائشة مرفوعا.