البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص328

بحجة لإبقاء ما كان ولا لإثبات أمر لم يكن. وقال أكثر المتأخرين: إنه حجة يجب العمل به في نفسه لإبقاء ما كان, حتى لا يورث ماله, ولا يصلح حجة لإثبات أمر لم يكن, كحياة المفقود لما كان الظاهر بقاءها صلحت حجة لإبقاء ما كان حتى لا يرث من الأقارب, والثابت لا يزول بالشك. وغير الثابت لا يثبت بالشك قال: ولكن مشايخنا قالوا: إن هذا القسم يصبح حجة على الخصم في موضع النظر, ويجب العمل به عند عدم الدليل, ولا يجوز تركه بالقياس, كذا ذكره الشيخ أبو منصور الماتريدي, لأن الحكم متى ثبت شرعا فالظاهر دوامه ولا يزول إلا بدليل يرجح على الأول, وإن أوجب في الأول شبهة, ولهذا قالوا: لا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد, لأن الحكم الثابت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثابت في حق كل من كان في زمنه صلى الله عليه وسلم مع احتماله النسخ إذ ذاك, وهذا كمن شك في الحدث بعد الوضوء فإن يبني على الطهارة مع احتمال الحدث, وكمن شك في طلاق امرأته وعتق أمته فإنه يباح له الانتفاع بهما مع الاحتمال, لأن الثابت لا يزول بالشك انتهى.
وما ذكروه من أنه يصلح للدفع لا للرفع يشبه قول أصحابنا في مسائل كثيرة عملوا فيها بالأصلين, كوجوب الفطرة عن العبد المنقطع الخبر, وعدم جواز عتقه عن الكفارة, وكما إذا ظهر لبنت تسع سنين لبن فارتضع منه صغير حرم ولا يحكم ببلوغها, لأن احتمال البلوغ قائم والرضاع كالنسب يكفي فيه الاحتمال.
والمذهب الثالث : واختاره القاضي في التقريب “أنه حجة على المجتهد فيما بينه وبين الله تعالى فإنه لم يكلف إلا أقصى الداخل في مقدوره على العادة, فإذا فعل ذلك ولم يجد دليلا آخر يبقى الوجوب ولا يسمع فيه إذا انتصب مسئولا في مجلس المناظرة, فإن المجتهدين إذا تناظروا وتذكروا طرق الاجتهاد فيما يغني المجيب قوله: لم أجد دليلا على الوجوب, وهل هو إلا مدع فلا يسقط عنه عهدة الطلب بالدلالة.
المذهب الرابع: أنه يصلح للدفع لا للرفع. وهو المنقول عن أكثر الحنفية فيما سبق. قال إلكيا: ويعبرون عن هذا بأن استصحاب الحال صالح لإبقاء ما كان على ما كان, إحالة على عدم الدليل, لا لإثبات أمر لم يكن. وبنوا على هذا مسائل: “منها” ما لو شهد شاهدان أن الملك كان للأب المدعى, والأب ميت, فإنها لا تقبل عن أبي حنيفة, لأن الملك ثبت لا بهذه الشهادة, والبقاء بعد الثبوت إنما يكون باستصحاب الحال فيثبت دفعا عن المشهود عليهم بحق الشهادة, فإنه كان أحد

اكتب تعليقًا