الأصوليين ومنعه المحققون, منهم إمام الحرمين في البرهان “وإلكيا في تعليقه”, وابن السمعاني في القواطع”, لأن ثبوت الحكم فيه من ناحية اللفظ لا من ناحية الاستصحاب. ثم قال إمام الحرمين: إنها مناقشة لفظية, ولو سماه استصحابا لم يناقش.
وقال أبو زيد: هذا قد يعد من الاستصحاب لأن دليل ثبوت الحكم عندي غير دليل بقائه فإن النص مثلا أثبت أصله, ثم بقاؤه بدليل آخر وهو عدم المزيل, لأنه لو كان دليل البقاء دليل الثبوت لما جاز النسخ, فإن النسخ يرفع البقاء والدوام. قال إلكيا: وهذا ليس بشيء, لأن الدليل إما أن لا يقتضي الدوام, كالمقيد بالمرة أو المطلق, وقلنا: لا يقتضي التكرار, فلا يرد على هذا النسخ, لأنه قد تم بفعل مرة واحدة وإما أن يدل على التقرير والبقاء نصا, كقوله: افعلوه دائما أبدا, وهو في الاستمرار ظاهر. فهما دليلان: نص في الثبوت وظاهر في الاستمرار. فهذا هو الذي يرد عليه النسخ, وأبو زيد أطلق, وأصاب في قوله: دليل الثبوت غير دليل البقاء, وأخطأ في قوله: دليل البقاء عدم المزيل, فهذا ليس من الاستصحاب في شيء. “انتهى”.
الخامسة: استصحاب الحكم الثابت بالإجماع في محل الخلاف:
وهو راجع إلى حكم الشرع, بأن يتفق على حكم في حالة ثم تتغير صفة المجمع عليه ويختلف المجمعون فيه, فيستدل من لم يغير الحكم باستصحاب الحال. مثال: إذا استدل من يقول: إن المتيمم إذا رأى الماء في أثناء صلاته لا تبطل صلاته, لأن الإجماع منعقد على صحتها قبل ذلك, فاستصحب إلى أن يدل دليل على أن رؤية الماء مبطلة. وكقول الظاهرية: يجوز بيع أم الولد, لأن الإجماع انعقد على جواز بيع هذه الجارية قبل الاستيلاد, فنحن على ذلك الإجماع بعد الاستيلاد.
وهذا النوع هو محل الخلاف, كما قاله في القواطع “وكذا فرض أئمتنا الأصوليون الخلاف فيها: فذهب الأكثرون – منهم القاضي, والشيخ أبو إسحاق الشيرازي وابن الصباغ والغزالي – إلى أنه ليس بحجة. قال الأستاذ أبو منصور: وهو قول جمهور أهل الحق من الطوائف, وقال الماوردي والروياني في كتاب القضاء”: إنه قول الشافعي وجمهور العلماء, فلا يجوز الاستدلال بمجرد الاستصحاب, بل إن اقتضى القياس أو غيره إلحاقه بما قبل الصفة ألحق به, وإلا فلا.
وقال ابن السمعاني: إنه الصحيح من المذهب.