البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص334

الدوام تريد دليلا وأنت مثبت به فكيف نقول: لم نحكم لشيء؟ وهذا الخلاف في أن الباقي هل يحتاج إلى مؤثر ينبني على اختلاف آخر في أن علة الحاجة إلى المؤثر, هل هي الإمكان أو الحدوث أو مجموعهما, أو الإمكان بشرط الحدوث, والحق أن العلة الإمكان, وأن الباقي يحتاج إلى مؤثر, كما تقرر في علم الكلام, فعلى هذا لا تنتهض هذه الطريقة.
وممن زعم أن الخلاف لفظي ابن برهان فقال في كتابه الكبير: إذا حقق استصحاب الحال لم يبق خلاف, فإن قول القائل: الأصل يقتضي كذا, فإنما يتمسك به إلى أن يقوم دليل على خلافه إما أن يريد بالأصل أصل الشرع, أو أصل العقل, فإن أراد العقل فالخصم لا يعترف أن العقل يقتضي حكما, ولأن الأحكام العقلية إنما تثبت بدليل عقلي, فلا يستصحب الحال فيها. وإن أراد أصل الشرع فباطل أيضا, لأن الأحكام الشرعية إنما. تثبت بأدلة شرعية. وهذه طريقة أخرى. وقد يقال بالتزام الثاني بدليل شرعي مستقرأ من جزئيات الشريعة في العمل به.
وبقي من الأنواع ما ذكره القاضي شريح الروياني أحد أئمة أصحابنا في كتاب “روضة الحكام” أنه إذا كان للشيء أصل معلوم من الوجوب أو الحل أو الحظر فإنه يرد إليه, ولا يترك بالشك, ولا يخرج عنه إلا بدليل. فلو أسلم إليه في لحم, فأتاه المسلم إليه بلحم, فقال المسلم هو لحم ميتة, أو ذكاة مجوسي, فالقول قول القابض, لأن الأصل تحريم ذلك, لأن الحيوان إن كان محرما يبقى التحريم ما لم يعلم زواله. ولو اشترى صاعا من ماء بئر فيه قلتان, ثم قال: أرده بالعيب فإن فأرة وقعت فيها, فالقول قول الدافع, لأن الأصل طهارة الماء. انتهى.
وجعل ابن القطان القول بالاستصحاب يرجع إلى أن الباقي لا دليل عليه, وهو أنه متى كنا على حال مجمع عليها فنحن عليها, فمن ادعى الانفصال عنها احتاج إلى دليل. قال القرطبي: القول بالاستصحاب لازم لكل أحد, لأنه أصل تنبني عليه النبوة والشريعة, فإنا إن لم نقل باستمرار حال تلك الأدلة لم يحصل العلم بشيء من تلك الأمور. انتهى. وقد سبق أن هذا محل وفاق.
وأما الأستاذ أبو منصور فجعل الخلاف معنويا مبنيا على الخلاف في حكم الأشياء قبل ورود الشرع, فمن زعم أنها مباحة استصحب الحال في كل ما رآه مباحا فلا يحظره إلا بدليل. ومن زعم أنها محرمة لم يستصحب شيئا.

اكتب تعليقًا