ومنهم من احتج على القول بأقل ما قيل من كلام الشافعي فيما لو سرق رجل متاعا لرجل, فشهد شاهد بألف دينار, وآخر بألف وخمسمائة, أنه لا يحكم إلا بما اتفقا عليه.
ومنهم من قال: هذا قول حسن إذا كان عليه دلالة, فإن لم يكن معه دلالة فلا معنى له, لأنه ليس لأحد أن يقول بغير حجة إلا وللآخر أن يقول بما هو أقل منه أو أكثر بغير حجة, وذلك أن القائلين أجمعوا على هذا المقدار, واختلفوا فيما سواه فأخذ بما أجمعوا عليه وترك ما اختلفوا فيه. يلزمه أن يقف في الزيادة ولا يقطع على أنه لا شيء فيه, لجواز أن يكون فيه دلالة.
وأما ما قالوه في دية اليهودي, فإن الشافعي – رحمه الله تعالى – سلك فيه غير هذا الطريق, وهو أنه قال: قد دل على أن لا مساواة بقوله: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون} [السجدة:18] فإذا بطلت المساواة فليس للناس إلا قولان, فإذا بطل أحدهما صح الآخر. وأما جعله الدية أخماسا فبدليل, [لا] لأنه أقل ما قيل. وأما مسألة الشهادة فإنما حكم فيها بالأقل, لأنه ثبت ذلك بشاهدين, وانفراد الآخر ليس بحجة, وهذا لا خلاف فيه.
“قال”: وقد منع قوم من أهل النظر وقالوا: إن أصلكم هذا ينتقض بالجمعة, فإن الناس اختلفوا هل تنعقد بأربعين أو باثنين أو بثلاثة, فوجب أن يؤخذ بأقل ما قيل. فإن قلتم: الأصل هو الظهر ولا ينتقل عنه إلا بدليل, قيل لكم: وكذلك الأصل شغل ذمته بالجناية فلا تبرأ إلا بدليل. قالوا: وكذلك الغسل من ولوغ الكلب يجب أن نأخذ بأقل ما قيل.
ثم أجاب ابن القطان: بأن الكلام في هذه المسألة ليس في الحادثة التي قام الدليل فيها, وإنما كان هنا في الحادثة إذا وقعت بين أصول مجتهد فيها بحادثة, فنصير إلى أقل ما قيل, وهذا هو موضع الخلاف بين أصحابنا المخرج على وجهين. فأما مسألة الجمعة فدليلنا الخبر. ولو صح السؤال علينا لانقلب لأبي ثور على أبي حنيفة, لأنه يجيزها بواحد. وأما ولوغ الكلب فقد صرنا إلى ما نص عليه – رضي الله عنه – قال: وهذه المسألة مبنية على حادثة قد تقدمت قبلنا وانقرض العصر عليها واختلفوا فيها, وأما اليوم فالمدار على الدليل. انتهى. وأجاب القفال عن مسألة الجمعة بأنها أقل ما قيل, لأنه أقل ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه جمع فيهم في زمنه ذلك.