البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص349

وأما حديث: “كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه”1, فإن صح فهو محمول على الاختيار لا الوجوب. انتهى. والحديث رواه البخاري. قال بعضهم: وإنما ذلك لأنهم كانوا على بقية من دين الرسل, فما تبين أنهم لم يحرفوه ولا بدلوه فأحب موافقتهم لقوله تعالى: {فبهداهم اقتده} [سورة الأنعام: 90] ثم قضيته أنه غير متعبد بها ولا منهي عنها. وقال النووي في زوائده”: الأصح أنه ليس بشرع لنا, لكن نقل ابن الرفعة عن النص خلافه, وقال ابن حزم: إنه الصحيح قال ولقد قبح إسماعيل بن إسحاق القاضي من المالكية في قوله: إن رجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديين الزانيين تعبد بما في التوراة قال: وهذا قريب من الكفر. وقال في كتابه الإعراب”: لا يجوز العمل بشيء من شرائعهم, لقوله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [سورة المائدة: 48] واختاره الإمام الرازي والآمدي.
المذهب الثاني: أنه كان متعبدا باتباعها, إلا ما نسخ منها, ونقله ابن السمعاني عن أكثر أصحابنا وعن أكثر الحنفية وطائفة من المتكلمين. وقال ابن القشيري: هو الذي صار إليه الفقهاء. وقال سليم: أنه قول أكثر أصحابنا, واختاره الشيخ أبو إسحاق أولا في التبصرة “واختاره ابن برهان وقال: إنه قول أصحابنا, وحكاه الأستاذ أبو منصور عن محمد بن الحسن قال: ولذلك استدل بقصة صالح النبي عليه السلام وقومه في شرب الناقة على إجازة المهايأة. وقال الخفاف في شرح الخصال”: شرائع من قبلنا واجبة علينا إلا في خصلتين: إحداهما أن يكون شرعنا ناسخا لها, أو يكون في شرعنا ذكر لها, فعلينا اتباع ما كان من شرعنا وإن كان في شرعهم مقدما. انتهى. واختاره ابن الحاجب وهو معنى قوله إذا وجدنا حكما في شرع من قبلنا ولم يرد في شرعنا ناسخ له لزمه التعلق به. قال ابن السمعاني: وقد أومأ إليه الشافعي في بعض كتبه. قلت: وقال ابن الرفعة في المطلب “إن الشافعي نص عليه في الأم في كتاب الإجارة وأنه أظهر الوجهين في الحاوي”, انتهى.
ـــــــ
1 الحديث رواه البخاري كتاب المناقب باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم حديث “3558” عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه سلم كان يسدل شعره وكان المشركون يفرقون رءوسهم فكان أهل الكتاب يسدلون رءوسهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء ثم فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه” ورواه في كتاب اللباس حديث “5917” بلفظ “كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه…الحديث ورواه مسلم كتاب الفضائل حديث “1336”.

اكتب تعليقًا