الثالث : أنه حجة إذا انضم إليه قياس.
فيقدم حينئذ على قياس ليس معه قول صحابي.
نص عليه الشافعي – رحمه الله – في كتاب الرسالة “فقال1: وأقوال أصحاب النبي – عليه السلام – إذا تفرقوا نصير منها إلى ما وافق الكتاب أو السنة أو الإجماع, أو كان أصح في القياس. وإذا قال واحد منهم القول لا يحفظ عن غيره منهم له موافقة ولا خلافا صرت إلى اتباع قول واحدهم. وإذا لم أجد كتابا ولا سنة ولا إجماعا ولا شيئا يحكم له بحكمه, أو وجد معه قياس. هذا نصه بحروفه.
وقال ابن الرفعة في المطلب”: حكى القاضي الحسين وغيره من أصحابنا عن الشافعي أنه يرى في الجديد أن قول الصحابي حجة إذا عضده القياس. وكذا حكاه ابن القطان في كتابه فقال: نقول بقول الصحابي إذا كان معه قياس. انتهى. وكذا قال القفال الشاشي في كتابه, فقال: قال في الجديد: إنه حجة إذا اعتضد بضرب من القياس يقوى بموافقته إياه. وقال القاضي في التقريب في باب القول في منع تقليد العالم للعالم: إن الذي قاله الشافعي في الجديد, واستقر عليه مذهبه, وحكاه عنه المزني فقال في الجديد: أقول بقول الصحابي إذا كان معه قياس. وقال ابن أبي هريرة في تعليقه “في باب الربا: عندنا أن الصحابي إذا كان له قول وكان معه قياس وإن كان ضعيفا فالمضي إلى قوله أولى, خصوصا إذا كان إماما, ولهذا منع الشافعي بيع اللحم بالحيوان المأكول بجنسه وغيره, لأثر أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
قلت: ويشهد له أن الشافعي استدل في الجديد على عدم وجوب الموالاة في الوضوء بفعل ابن عمر رضي الله عنهما, ثم قال: وفي مذهب كثير من أهل العلم أن الرجل إذا رمى الجمرة الأولى ثم الأخيرة ثم الوسطى أعاد الوسطى ولم يعد الأولى, وهو دليل في قولهم على أن تقطيع الوضوء لا يمنع أن يجزئ عنه, كما في الجمرة. انتهى. فاستدل بفعل الصحابي المعتضد للقياس, وهو رمي الجمار, وعلى الغسل أيضا, كما وقع في أول كلامه.
نعم, المشكل على هذا القول أن القياس نفسه حجة, فلا معنى حينئذ لاعتبار قول الصحابي فيه, ويؤول حينئذ هذا إلى القول بأنه ليس بحجة على انفراده. ولهذا حكى ابن السمعاني وجهين لأصحابنا أن الحجة في القياس, أو في قوله, بعد أن
ـــــــ
1 انظر الرسالة ص “597”.