البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص374

باب القضاء في الكلام على المشاور: ولا يقبل وإن كان أعلم منه حتى يعلم كعلمه أن ذلك لازم له, فأما أن يقلده فلم يجعل الله ذلك لأحد بعد الرسول. هذا نصه. فأطلق اسم التقليد على الاحتجاج بقول النبي صلى الله عليه وسلم, ولا سيما مع ما استقر من قوله المتكرر في غير موضع بالنهي عن التقليد والمنع منه. ويدل على ذلك قول الماوردي والجوري: إن مذهب الشافعي في القديم أن قول الصحابي حجة بمفرده إذا اشتهر ولم يظهر له مخالف. قال الماوردي: لا سيما إذا كان الصحابي إماما, وأغرب ابن الصباغ فحكى ذلك عن الجديد وقد سبق.
ثم قول الغزالي أنه رجع عنه في الجديد معارض بما نص عليه في كتاب الأم في غير موضع بتقليد الصحابة, كما سبق في البيع بشرط البراءة. وقوله: “قلته تقليدا لعثمان”1 نقله المزني في مختصره, والربيع في اختلاف العراقيين “فإن كان أراد الشافعي بالتقليد للصحابي في القديم معناه المعروف فهو كذلك هنا أيضا في الجديد. والأظهر أنه أراد به الاحتجاج بقول الصحابي, وأطلق اسم التقليد عليه مجازا كما أطلقه في الاحتجاج بقول النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد قال الغزالي في “المستصفى”2 بعدما سبق: فإن قيل: فقد ترك الشافعي في الجديد القياس في تغليظ الدية في الحرم لقول عثمان. ولذلك فرق بين الحيوان وغيره في شرط البراءة لقول عثمان. قلنا له: في مسألة شرط البراءة أقوال, فلعل هذا مرجوع عنه. انتهى. وهذا مردود بأنا قد بينا أنه نص عليه في غير موضع من كتبه الجديدة وقال: إنه الذي ذهب إليه, وبه قطع أبو إسحاق المروزي وابن خيران وغيرهما, ولم يجعلا للشافعي قولا في المسألة غيره, وهو الذي صححه المتأخرون. وأما مسألة تغليظ الدية فقد احتج الشافعي فيها بما روي عن عثمان أنه قضى في امرأة قتلت بالدية وثلث الدية, وروي نحوه عن عمر وابن عباس, ولا مخالف لهم من الصحابة, فيكون اعتمد ذلك بناء على أنه إجماع سكوتي, أو لأنه قضى به عثمان, وهو قد نص في الجديد على الرجوع إلى قول أحد الخلفاء الأربعة لأنه يشتهر غالبا بخلاف قول المفتى.
وقد حكى الغزالي أيضا في الموضع المشار إليه أيضا أن الشافعي اختلف قوله فيما إذا اختلف الإفتاء والحكم من الصحابة, فقال مرة: الحكم أولى, لأن العناية به أشد
ـــــــ
1 انظر الأم “7/99”.
2 انظر المستصفى ص “171”.

اكتب تعليقًا