والمراد ب “الضرورية “ما يكون من الضروريات الخمس التي يجزم بحصول المنفعة منها و “الكلية “لفائدة تعم جميع المسلمين احترازا عن المصلحة الجزئية لبعض الناس, أو في حالة مخصوصة, كمن أجاز للمسافر إذا أعجله السفر أن يدفع التبر لدار الضرب وينظر مقدار ما يخلص منه فيأخذ بقدره بعد طرح المئونة, فهذه مصلحة لضرورة الانقطاع من الرفقة لكنها جزئية بالنسبة إلى شخص معين وحالة معينة.
ومثل الغزالي لاستجماعه الشرائط بمسألة التترس, وهي ما إذا تترس الكفار بجماعة المسلمين, ولو رمينا الترس لقتلنا مسلما من دون جريمة صدرت منه. قال الغزالي: فلا يبعد أن يقول المجتهد: هذا الأسير مقتول بكل حال, لأنا لو كففنا عن الترس لسلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم ثم يقتلون الأسارى أيضا, فحفظ المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع, لأنا نقطع أن الشارع يقصد تقليل القتل كما يقصد حسمه عند الإمكان, فحيث لم يقدر على الحسم فقد قدرنا على التقليل, وكان هذا التفاتا على مصلحة علم بالضرورة كونها مقصودة بالشرع لا بدليل واحد, بل بأدلة خارجة عن الحصر, ولكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق وهو قتل من لم يذنب لم يشهد له أصل معين فينقدح اعتبار هذه المصلحة بالأوصاف الثلاثة وهو كونها ضرورية كلية قطعية.
فخرج ب “الكلية “ما إذا أشرف جماعة في سفينة على الغرق, ولو غرق بعضهم لنجوا فلا يجوز تغريق البعض. وب “القطعية” ما إذا شككنا في أن الكفار يتسلطون عند عدم رمي الترس, وب “الضرورية” ما إذا تترسوا في قلعة بمسلم, فلا يحل رمي الترس, إذ لا ضرورة بنا إلى أخذ القلعة.
وهذا من الغزالي تصريح باعتبار القطع بحصول المصلحة لكن الأصحاب حكوا في مسألة التترس وجهين, ولم يصرحوا باشتراط القطع.
وقد يقال: إن هذا التفصيل يؤول إلى ما نقل عن الشافعي, ولهذا قال إمام الحرمين: هو لا يستجيز التأني والإفراط في البعد, وإنما يسوغ تعليق الأحكام لمصالح رآها شبيهة بالمصالح المعتبرة وفاء بالمصالح المستندة إلى أحكام ثابتة الأصول. واختاره إمام الحرمين أو نحوا منه. وقال القرطبي: هي بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها.
وأما ابن المنير فقال: هو احتكام من قائله, ثم هو تصوير بما لا يمكن عادة ولا