حكم بالإجماع, لم يثبت أيضا للآخر ذلك الحكم إلا بدليل يدل على التسوية, كاستدلال المخالف بأنه لا يجب غسل النجاسة بالماء, بل يجوز بالخل ونحوه بقوله: “حتيه ثم اقرصيه بالماء” 1 فقرن بين الحت والقرص والغسل بالماء, وأجمعنا على أن الحت والقرص لا يجبان, فكذلك الغسل بالماء.
وقال بعضهم: يقوي القول به إذا وقعت حادثة لا نص فيها, كان ردها إلى ما قرن معها من الأعيان في بعض الأحوال أولى من ردها إلى غير شيء أصلا.
هذا ما يمكن خروجه على أصل أصحابنا, وأما الحنفية فقالوا:
إذا عطف جملة على جملة, فإن كانتا تامتين كانت المشاركة في أصل الحكم لا في جميع صفاته, وقد لا يقتضي مشاركة أصلا وهي التي تسمى “واو الاستئناف”, كقوله تعالى: {فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل} [الشورى: 24] فإن قوله: {ويمح الله الباطل} جملة مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها, ولا هي داخلة في جواب الشرط, وإن كانت الثانية ناقصة شاركت الأولى في جميع ما هي عليه فإذا قال: هذه طالق ثلاثا وهذه, طلقت الثانية ثلاثا, بخلاف ما إذا قال: وهذه طالق, لا تطلق إلا واحدة, لاستقلال الجملة بتمامها.
وعلى هذا بنوا بحثهم المشهور في قوله صلى الله عليه وسلم: “لا يقتل مؤمن بكافر” 2 وسبق في باب العموم. وقد التزم ابن الحاجب, في أثناء كلام له في “مختصره”: أن قول القائل: ضرب زيدا يوم الجمعة وعمرا, يتقيد بيوم الجمعة أيضا وهي تقتضي أن عطف الجملة الناقصة عنده على الكاملة يقتضي مشاركتها في أصل الحكم وتفاصيله, وحكي ذلك عن ابن عصفور من النحويين.
ـــــــ
1 الحديث رواه الترمذي “1/254” كتاب الطهارة باب ما جاء في غسل دم الحيض من الثوب حديث “138” عن أسماء بنت أبي بكر أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الثوب يصيبه الجم من الحيضة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “حتيه ثم اقرصيه بالماء ثم رشيه وصلي فيه” ورواه أبو داود في سننه “1/99” كتاب الطهارة حديث “361” والحديث أصله في البخاري كتاب الوضوء باب غسل الدم حديث “227” بلفظ “تحته ثم تقرصه بالماء وتنضحه وتصلي فيه” ورواه مسلم كتاب الطهارة حديث “291”.
2 الحديث رواه البخاري في مواضع كثيرة ومنها كتاب العلم حديث “111” بلفظ “ولا يفتل مسلم بكافر”.