الصوفية إلى أن المعارف تقع اضطرارا للعباد على سبيل الإلهام بحكم وعد الله سبحانه وتعالى بشرط التقوى, واحتج بقوله تعالى: {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} [سورة الأنفال: 29] أي تفرقون به بين الحق والباطل, {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} [سورة الطلاق: 2] أي مخرجا على كل ما التبس على الناس وجه الحكم فيه, {واتقوا الله ويعلمكم الله} [البقرة: 282] فهذه العلوم الدينية تحصل للعباد إذا زكت أنفسهم وسلمت قلوبهم لله تعالى, بترك المنهيات وامتثال المأمورات, إذ خبره صدق, ووعده حق, فتزكية النفس بعد القلب لحصول المعارضة فيه بطريق الإلهام بحكم وعد الله تعالى وذلك كإعداده بإحضار المقدمتين فيه مع التفطن لوجوه لزوم النتيجة عقيب النظر لقدرة الله اضطرارا, ولا مدخل للقدرة الحادثة فيه.
وأما حصول هذه المعارف على سبيل إلهام المبتدأ من غير استعداد يكون من العبد, فأحد هذين الوجهين غير ممكن في العقل ويمتنع في العادة وما ذكر من أن مدارك العلوم الإلهام يحتاج إلى هذا التفصيل, وهو غلط في الحصر إذ ليس هو جميع المدارك, بل مدرك واحد على ما بيناه وتأول بعض العلماء قولهم, وقال: يمكن أن يريدوا أن العلوم كلها ضرورية مخترعة لله تعالى.
وقال الإمام شهاب الدين السهروردي – رحمه الله – في بعض أماليه محتجا على الإلهام بقوله تعالى: {وأوحينا إلى أم موسى} [القصص: 7] وقوله: {وأوحى ربك إلى النحل} [النحل: 68] فهذا الوحي مجرد الإلهام, ثم إن من الإلهام علوما تحدث في النفوس الزكية المطمئنة قال عليه السلام: “إن من أمتي لمحدثين ومكلمين, وإن عمر لمنهم” 1 وقال تعالى: {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها} [الشمس: 7-8]. فأخبر أن النفوس ملهمة, فالنفس الملهمة علوم لدنية هي التي تبدلت صفتها واطمأنت بعد أن كانت أمارة.
قال: وهذا النوع لا تتعلق به المصالح العامة من عالم الملك والشهادة, بل تختص فائدته بصاحبه دون غيره, إذ لم تكن له ثمرة السراية إلى الغير على طريق العموم, وإن كانت له فائدة تتعلق بالاعتبار على وجه خاص, قال: وإنما لم تكن له السراية إلى الغير على طريق العموم عن مفاتيح الملك لكون محلها النفس, وقربها من
ـــــــ
1 رواه البخاري كتاب أحاديث الأنبياء حديث “3469” عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون وإنه إن كان في أمتي هذه ممنهم فإنه عمر بن الخطاب” .