وحكاه الآمدي عن أحمد بن حنبل, وهو الذي ذكره القاضي وأبو الخطاب من أصحابه, وصار صائرون إلى أن ذلك جائز, وهو مذهب أبي علي وأبي هاشم, ونقل عن القاضي أبي بكر قال إلكيا: وهو المنقول عن الشافعي, ثم اختار إلكيا قول الكرخي, ونقله عن إمام الحرمين, وقال: إنه قطع به.
قال: والاستحالة متلقاة من العادة المطردة, وما نقله عن الشافعي إن كان من جهة قوله بالقولين في مسائل كثيرة فلا يدل, لأنه تعادل ذهني, ولا نزاع فيه, وإن كان من جهة قوله في البينتين فالمأخذ مختلف, بل نص على الامتناع في الرسالة”, فقال في باب علل الأحاديث1: ولم نجد عنه صلى الله عليه وسلم حديثين نسبا للاختلاف فكشفناه إلا وجدنا لهما مخرجا, وعلى أحدهما دلالة بموافقة كتاب أو سنة, أو غيره من الدلائل انتهى وقرره الصيرفي في شرحها فقال: قد صرح الشافعي بأنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أبدا حديثان صحيحان متضادان ينفي أحدهما ما يثبته الآخر من غير جهة الخصوص والعموم والإجمالي والتفسير إلا على وجه النسخ وإن لم يجده. وقد حكى الجرجاني من الحنفية قول الكرخي بالمنع, ثم قال: وهو اختلاف قول أبي حنيفة – رحمه الله – في سؤر الحمار لما تساوى عنده الدليلان توقف عنه, وليس كما قال لأن أبا حنيفة لم يخير في الأخذ بأيهما شاء, بل أخذ بالأحوط وجمع بين الدليلين, فقال: يتوضأ به ويتيمم, نعم, حكي عنه التخيير في وجوب زكاة الخيل وعدمه, وهذا هو الخلاف الذي يعبرون عنه بتكافؤ الأدلة, والراجح كما قاله في اللمع “- أنه لا يجوز, بل لا بد من ترجيح أحدهما على الآخر, وهو الذي نصره ابن السمعاني وغيره, وقال سليم في التقريب”: إنه الأشبه, لأن الأحاديث أحادية تؤدي إلى تكافؤ الأدلة وتعارضها, وهو خلاف موضوع الشريعة لئلا يلزم خلو الوقائع عن حكم الله.
وفصل القاضي من الحنابلة بين مسائل الأصول فيمتنع, وبين الفروع فيجوز, فإن أراد بالأصول القطعي فليس خلافنا فيه, ثم قال ابن دقيق العيد: هذا الخلاف يحتمل أن يكون في الوقوع, ويحتمل أن يكون في التجويز العقلي قلت: هو جار فيهما, فقد حكى ابن فورك قولا بامتناع وجود خبرين لا ترجيح بينهما, وعزاه ابن برهان لأحمد والإمام, وحكى الماوردي والروياني في خلاف تكافؤ الأدلة وجهين لأصحابنا, ونقل أن الأكثرين على جوازه ووقوعه وقد قال عثمان – رضي الله عنه – لما سئل عن الجمع بين
ـــــــ
1 انظر الرسالة ص “216”.