الأختين المملوكتين فقال: حرمتهما آية وأحلتهما آية, ثم قضية إمام الحرمين في موضع أن الجواز جار, سواء قلنا: المصيب واحد أو كل مجتهد مصيب, وقال القاضي, والأستاذ أبو منصور, والغزالي, وابن الصباغ: الترجيح بين الظواهر المتعارضة إنما يصح على قول من رأى أن المصيب في الفروع واحد, وأما القائلون بأن كل مجتهد مصيب فلا معنى لترجيح ظاهر على ظاهر, لأن الكل صواب عنده واختار الرازي وأتباعه أن تعادل الأمارتين على حكم واحد في فعلين متباينين جائز وواقع, كمن ملك مائتين من الإبل فإن واجبه أربع حقاق أو خمس بنات لبون وأما تعارضهما على حكمين متباينين لفعل واحد كالإباحة والتحريم – مثلا – فإنه جائز عقلا, ولكنه ممتنع شرعا.
التفريع
التعادل الذهني حكمه: الوقف, أو التساقط, أو الرجوع إلى غيرهما, وأما التعادل في نفس الأمر فإن قلنا بالجواز وتعادلا, وعجز المجتهد عن الترجيح وتحير ولم يجد دليلا آخر, فاختلفوا على مذاهب:
أحدها : أنه يتخير, وبه قال الجبائي وابنه أبو هاشم قال إلكيا: وسويا في ذلك بين تعارض الخبرين والقياسين, ونقله الرازي والبيضاوي عن القاضي, والذي في التقريب “أنه رأي للقائلين بأن كل مجتهد مصيب.
والثاني : التساقط كالبينتين إذا تعارضتا, ويطلب الحكم من موضع آخر, ويرجع إلى العموم أو إلى البراءة الأصلية, وهذا ما قطع به ابن كج في كتابه, قال: لأن دلائل الله سبحانه لا تتعارض, فوجب أن يستدل بتعارضهما على وهائها جميعا, أو وهاء أحدها غير أنا لا نعرفه, فأسقطناها جميعا, وكلامه يشعر بتفريعه على القول بمنع التعادل ونقله إلكيا عن القاضي, والأستاذ أبو منصور عن أهل الظاهر, بالنسبة إلى الحديثين. وأنكره ابن حزم في كتاب “الإعراب”, وقال: إنما هو بعض شيوخنا, وهو خطأ, بل الواجب الأخذ بالزائد إذا لم يقدر على استعمالها جميعا, فاستثنى أحدهما من الآخر.
الثالث : إن كان التعارض بين حديثين تساقطا ولا يعمل بواحد منهما, أو بين قياسين فيتخير حكاه ابن برهان في الوجيز “عن القاضي ونصره والفرق أنا نقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم ما يتكلم بهما, فأحدهما منسوخ قطعا ولم نعلمه, فتركناهما, بخلاف القياسين, وقد عرف أن القاضي نسب إليه كل من هذه الأقوال.