المعارض لكانت أمارة حقيقة, ويلزم هذا القائل أن يقول بتعارض القاطعين, والترجيح بينهما بهذا الاعتبار, وأجيب: بأن الأمارة وجد فيها مقتضى الصحة, وإنما يختلف العمل بها لمعارض, فجاز أن يطلق عليها التصحيح والترجيح, وأما الشبهة فلا مقتضى فيها للصحة ألبتة.
وإذا عرف الفرق بين كون الشيء فيه مقتضى الصحة, ويختلف عمله, وبين كونه لا مقتضى للصحة فيه, فباعتبار مقتضى الصحة أطلقنا على المرجوحية أنها أمارة, بخلاف الشبهة في القواطع.
مسألة
قول العالم في المسألة بقولين مختلفين1, قال ابن السمعاني: لا يعلم قبل الشافعي به تصريحا وهو – رحمه الله – قد ابتكر هذه العبارة وذكرها في كتبه, وقد أنكر عليه كثير من مخالفيه ونسبوه إلى الخطأ وقالوا: هذا دليل على نقصان الآلة, وقلة المعرفة, فقالوا: وأما الرواية عن أبي حنيفة ومالك رضي الله عنهما, فذلك في حالتين مختلفتين, والمجتهد قد يجتهد في مجتهد في وقت فيؤدي اجتهاده إلى شيء, ثم يجتهد في وقت آخر فيؤدي إلى خلافه, إلا أن الثاني يكون عن الأول, وإنما المستنكر اعتقاده قولين مختلفين في وقت واحد, في حادثة واحدة فهذا طعن المخالفين في القولين, قال: وقد صنف بعضهم في ذلك تصنيفا, ورأيت لأبي عبد الله البصري الملقب بجعل في هذا كتابا مفردا صنفه للمعروف بالصاحب, وهو إسماعيل بن عباد, أي في إنكار ذلك على الشافعي رضي الله عنه. وقد قسم أصحابنا القولين تقسيما بينوا فيه فساد هذا الاعتراض, وأن الذي قاله الشافعي ليس هو موضع الإنكار ثم ذكر كلام الماوردي الآتي.
واعلم أن الكلام في مسألة القولين في موضعين:
” أحدهما “: ما طعن به على الشافعي.
” والثاني “: في كيفية إضافتهما إليه.
أما الأول
فأجاب الأصحاب بأنه لا عيب فيه, بل فيه دلالة على صحة قريحته, وتبحره في الشريعة, مع التنبيه على النظر في المأخذ, ومعرفة أصول الحوادث, وتعليمهم طرق
ـــــــ
1 انظر الوسيط ص “553” الإحكام للآمدي “4/201” المعتمد “2/860”.