وقال القاضي أبو الطيب الطبري: قال أصحابنا: لم يوجد له من هذا النوع إلا ستة عشر, قالوا: ويحتمل أن يكون قد تعين له الحق منهما ومات قبل بيانه ويحتمل أن يكون قد تعين له وكان متوقفا فيهما.
فإن قيل: فإذا لم يكونا مذهبين فليس لذكرهما في موضع واختيار أحدهما معنى, وكذلك إذا لم يتبين له الحق فيهما فليس لذكرهما فائدة, فالجواب أن الشافعي ذكرهما ليعلم أصحابه طرق استخراج العلل والاجتهاد, وبيان ما يصحح العلل ويفسدها, لأنه يحتاج أن يبين مدارك الأحكام كما يبين الأحكام, ولأنه يفيد أن ما عداهما باطل, وأن الحق في أحدهما “انتهى كلام القاضي”.
وقال الغزالي: إنما يذكر القولين في هذه الحالة, إما لأنه لم يتم نظره في المسألة, وإنه في مدة النظر ويرجع حاصله إلى الوقف والاحتياط, وذلك غاية الورع وهو دأب الصحابة والسلف, كما قال عثمان في الجمع بين الأختين في ملك اليمين: أحلتهما آية وحرمتهما آية.
قال: ويتجه في هذا ثلاثة أسئلة:
” أحدها “: أن المفتي إنما يفتي بالحكم لا بالتردد وجوابه أن المسائل المنقولة عن الشافعي – رحمه الله تعالى – في مسائل الفروع قريب من ستين ألف مسألة على ما حكى بعض الأصحاب, وإنما جمع القول متردد في بضع عشرة مسألة, وما نص عليه يوجد منه حكم هذا التردد
” الثاني “: إن كان حاصله التردد فما فائدة ذكرها؟ وجوابه: له خمس فوائد: “1” – وضع تصوير المسائل لأنه أمر صعب “2” – والتحريك لداعية النظر فيها “3” – وحثه لأصحابه لتخريجها على أشبه أصوله “4” – وإنه يكفي مؤنة النظر من الاحتمالات, لأنه لا يحتمل سوى ما ذكره “5” – وذكر توجيهها فإنه لا بد أن يذكر وجه كل, فتحصل معرفة الأدلة ومدارك العلماء, ويهون النظر في طلب الترجيح فإن طلب الترجيح وحده أهون من طلب الدليل فعلى كل ناظر في المسألة هذه الوظائف الخمس تصويرها وطلب الاحتمالات فيها, وحصر ما ينقدح من تلك الاحتمالات وطلب أدلتها وطلب الترجيح والشافعي قام بالوظائف الأربع ولم يترك إلا الخامسة, فكيف تنكر فائدة القولين؟
” الثالث “: ما يلزم عليه أن لا قول للشافعي في المسألة, فكيف يقال: له