قالهما المجتهد في وقت واحد, وليس ذلك صورة المسألة وحينئذ فيحكى عنه قولان من غير الحكم على أحدهما بالترجيح.
وقد وقع الحالان للشافعي – رضي الله عنه -, وهو دليل على علو شأنه في العلم والدين: أما العلم فلأنه كلما زاد المجتهد علما وتدقيقا كان نظره أتم, واطلاعه على الأدلة أعم. وأما الدين, فلم يكن ممن إذا ظهر له وجه الرجحان أقام على مقالته الأولى, بل صرح على بطلانها وعلم بذلك أن تشنيع الخصم باطل.
وقد صنف أصحابنا في نصرة القولين, منهم ابن القاص والغزالي وإلكيا والروياني, وتكلم عليه الأصحاب في كتبهم الأصولية والفروعية وقد سبق بذلك السلف, فإن عمر نص في الشورى على ستة وحصر الخلافة فيهم, تنبيها على حصر الاستحقاق, ولم يعترض أحد عليه.
واعلم أنه في هذه الحالة ترجح أحد القولين على الآخر بأمور:
“منها”: أن تكون أصول مذهبه موافقة دون الآخر فيكون هو المذهب, قاله الماوردي و “منها”: أن يكرر أحدهما أو يفرع عليه فهل يكون رجوعا عن الآخر؟ وجهان, حكاهما الماوردي.
ونسب ابن كج الرجوع في حالة التفريع إلى المزني قال: وعامة أصحابنا أن ذلك ليس برجوع, وجزم القاضي أبو الطيب أنه رجوع في التفريع, وحكى خلاف المزني في التكرير وقال: خالفه أبو إسحاق المروزي فقال: هذا لا يدل على اختياره, لأنه يحتمل أن يكون ذكره اكتفاء بما ذكره قال القاضي: والذي قاله المزني هو الصحيح وكذا قال ابن السمعاني.
و “منها”: ما لو كان أحدهما يوافق مذهب أبي حنيفة, فقال الشيخ أبو حامد: ما يخالفه مذهب أبي حنيفة أرجح, وعكس القفال, واختاره ابن الصلاح والنووي والأصح: الترجيح بالنظر, فإن لم يظهر ترجيح فالوقف.
و “منها”: أن ينص على أحدهما في موضع آخر, فهل يكون ذلك اختيارا منه لذلك القول؟ فيه وجهان, حكاهما الرافعي قبل الديات, وحكى ابن السمعاني عن القاضي والماوردي أنه قسم القولين في هذه الحالة إلى أربعة عشر قسما:
أحدها : أن يقيد جوابه في موضع ويطلقه في آخر كقوله في أقل الحيض: يوم وليلة, وفي موضع آخر: يريد مع ليلته فحمل المطلق على المقيد لكن لا يقال: له قولان