البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص428

تعارض البينتين.
” ثانيها “: ينزل على الأحكام بعض كل واحد عند التعدد, بأن يكون كل واحد منهما مقتضيا أحكاما, فيعمل بواحد منهما في بعضها, وبالآخر في البعض الآخر, كالنهي عن الشرب والبول قائما ثم فعله, فإن فعله يقتضي عدم الأولوية والحرج, ونهيه بالعكس فيحمل النهي على عدم الأولوية والفعل على رفع الحرج وبيان الجواز وكنهيه عن الاغتسال بفضل وضوء المرأة ثم فعله مع عائشة.
” ثالثها “: التنزيل على بعض الأحوال عند الإطلاق, كقوله: “ألا أخبركم عن خير الشهود؟ أن يشهد الرجل قبل أن يستشهد” 1 وقوله في حديث آخر: ” ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد” 2 فيحمل الأول على حق الله تعالى والثاني على حق الآدميين.
وهذه الطريقة أطبق عليها الفقهاء, أعني الجمع المستقل بنفسه من غير إقامة دليل, وعزوا ذلك إلى تعارض القراءتين, كقراءة “أرجلكم” بالنصب والخفض, فحملوا إحداهما على مسح الخف والأخرى على غسل الرجلين, وحمل بعضهم قوله “يطهرن “و “يطهرن “إحداهما على ما دون العشرة, والأخرى على العشرة.
وقد ذكر ذلك من أصحابنا الأصوليين الشيخ في اللمع “فقال: إذا تعارض عامان, فإن أمكن استعمالهما في حالين استعملا, وإلا وجب التوقف وكذا قال سليم في التقريب”: إذا ورد مثل “اقتلوا المشركين”, “لا تقتلوا المشركين “فإنهما يستعملان, فيحمل كل منهما على بعض ما تناوله, ويخص في الثاني وقيل: يتوقف فيهما.
وأما إمام الحرمين فنقل ذلك عن الفقهاء وقال: هو مردود عند الأصوليين, بل لا بد من دليل خارج عن ذلك وأما أن يجعل أحدهما دليلا في تخصيص التالي, والثاني في تخصيص الأول فلا سبيل إليه وهذا تابع فيه القاضي, ثم قال: وكأن الفقهاء رأوا تصرفا في الظواهر مستقلا بنفسه, والظاهر أنهما على تعارضهما إلا أن يتجه تأويل وينتصب عليه دليل. قال ابن المنير: وكأن الإمام ظن أن الفقهاء يتحكمون بتعيين
ـــــــ
1 الحديث رواه مسلم في صحيحه “3/1344” كتاب الأقضية باب بيان خير الشهود حديث “1719”.
2 رواه ابن ماجة “3/791” كتاب الأجكام باب كراهية الشهادة لمن لم يستشهد حديث “2363”. وهو حديث صحيح.

اكتب تعليقًا