الثاني من جهة العموم, بل يذهب في الترجيح وإن لم يعلم ذلك, سواء علمت المقارنة أو لم تعلم أيضا فاللائق بالمذهبين أن يصار إلى الترجيح بكون أحدهما حظرا والآخر إباحة, أو بكون أحدهما مثبتا والآخر منفيا, أو شرعيا والآخر فعليا. لأن الحكم بذلك طريقه الاجتهاد, وليس في ترجيح أحدهما على الآخر إطراح الآخر, بخلاف المتعارضين من كل وجه.
وأما إذا كانا مظنونين فكما في المعلومين, إلا أنه يرجح فيها بقوة الأشباه. وإن كان أحدهما معلوما والآخر مظنونا, فإن علم تقدم المعلوم عمل به لكونه معلوما, وإن علم تأخيره عمل به لكونه ناسخا1. وهذا على رأي من ينسخ الخاص بالعام.
وأما على رأينا فالعمل بالمعلوم لكونه معلوما لتعذر النسخ وإن لم يعلم ذلك, سواء علم التقارن أو جهل, فإنا نحكم بالمعلوم لكونه. معلوما.
هذا حاصل ما ذكره أبو الحسين في المعتمد”, وتابعه صاحب المحصول وغيره. وأطلق الشيخ في اللمع “وسليم في التقريب “وغيرهما أنهما يتعارضان ولا يقدم أحدهما على الآخر بدليل, وفي جواز خلو مثل هذا عن الترجيح قولان. وإذا خلا سقطا ورجع المجتهد إلى البراءة, ونقل سليم عن أبي حنيفة – رحمه الله – تقديم الخبر الذي فيه ذكر الوقت, لأن الخلاف واقع في الوقت, فقدم ما فيه. وذكر الصيرفي في “الدلائل” في تعارض الآيتين أنه إن كان هناك توقيف صرنا إليه, وإن لم يكن إلا العموم ففيها وجهان: “أحدهما”: أنا ننظر إلى أيهما أعم اللفظين بوجه, فيجعل الآخر في الخاصة. و “الثاني”: إلى أي اللفظتين ابتدئ بها فالأخرى معطوفة عليها, لأنك لو أثبت اللفظة الثانية كان فيها رفع ما ابتدئ بذكره, فلا يجوز أن يثبت من الثانية إلا ما لا يبطل الأولى فيكون موافقا للثاني على ما قلنا في الترتيب كأنا قلنا: كل ملك يمين فهو مباح, لقوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3] فذكر عموم الزوجات وعموم ملك اليمين, فكان أخص مما ذكرت من الزوجات وملك اليمين, فثبت أن الجمع بين الأختين الملك والنكاح مستثنى من عموم قوله: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} [المؤمنون: 6] ولم يصح أن تقابل الآية بالآية الأخرى لما وصفته, انتهى.
قال ابن دقيق العيد: هذه المسألة من مشكلات الأصول, والمختار عند المتأخرين الوقف إلا بترجيح يقوم على أحد اللفظين بالنسبة إلى الآخر. قال: وكأن
ـــــــ
1 انظر المنخوب ص “427” اللمع ص “66” الإحكام للآمدي “4/241”.