يكون اللفظ واحدا والمعنى في أحد الخبرين يدل على المعنى الشرعي, وفي الآخر على اللغوي. أما الذي لم يثبت ذلك فيه, مثل أن يدل هذا اللفظ بوضعه الشرعي على حكم واللفظ الثاني بوضعه اللغوي على حكم, وليس للشرع في هذا اللفظ اللغوي عرف شرعي, فلا يسلم ترجيح الشرعي على اللغوي, لأن هذا اللغوي إذا لم ينقله الشرع فهو لغوي عرفي شرعي. وأما الثاني فهو شرعي وليس بلغوي ولا عرفي, والنقل خلاف الأصل.
” ثامنها ” والخبر المستغنى عن الإضمار في الدلالة على المفتقر إليها.
” تاسعها ” يقدم الخبر الدال على المراد من وجهين على الدال عليه من وجه واحد, كقوله عليه السلام: ” إنما الشفعة فيما لم يقسم ” فقضيته أن ما يقسم لا شفعة فيه, ثم قال: “فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة” 1 فيقدم على رواية “الجار أحق بشفعته” 2 لأن هذا الحديث يدل بوجه, وحديثنا يدل بوجهين.
” عاشرها ” ترجيح الخبر الدال على الحكم بغير واسطة على ما يدل عليه بواسطة, لزيادة غلبة الظن بقلة الواسطة, كقوله عليه الصلاة والسلام: ” أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل” فإنه لا يدل على بطلان نكاحها إذا نكحت نفسها بإذن وليها إلا بواسطة الإجماع, أو يقال: إذا بطل عند عدم الإذن بطل بالإذن, إذ لا قائل بالفرق. والحديث الآخر “الأيم أحق بنفسها من وليها” فإنه يدل على بطلان نكاحها إذا نكحت نفسها مطلقا من غير واسطة, فالحديث الثاني أرجح.
“حادي عشرها” يرجح الخبر المذكور من لفظ موم إلى علة الحكم على ما ليس كذلك. لأن الانقياد إليه أكثر من الانقياد إلى غير المعلل, لأن ظهور التعليل من أسباب قوة التعميم, كتقديم قوله عليه السلام: “من بدل دينه فاقتلوه” 3 على حديث النهي عن قتل النساء4, من جهة أن التبديل إيماء إلى العلة.
ـــــــ
1 رواه ابن ماجة “2/834” كتاب الأحكام باب إذا وقعت الحدود فلا شفعة حديث “2497” عن أبي هريرة “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة” وهو حديث صحيح.
2 بهذا اللفظ أخرجه الترمذي “3/651” كتال الأحكام باب ما جاء في الشفعة للغائب حديث “1369” وؤواه أبو داود “3518” بلفظ “الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا” وهو حديث صحيح.
3 رواه البخاري كتاب استتابة المرتدين باب حكم المرتد والمرتدة حديث “6922”.
4 رواه البخاري كتاب الحهاد والسير باب قتل النساء في الحرب حديث ” 3015″ عن ابن عمر قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم “فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان” .