البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص464

و”الثاني” أنهما سواء لأن تحريم المباح كتحليل الحرام, فلم يكن لأحدهما مزية على الآخر.
وقد روينا في المعجم الكبير للطبراني عن محمد بن عبد الله الحضرمي, حدثنا يحيى الحمامي, حدثنا موسى بن محمد الأنصاري, عن يحيى بن الحارث التميمي, عن أم معبد مولاة قرظة بن كعب قال, أي نبي الله صلى الله عليه وسلم: “إن المحرم ما أحل الله كالمستحل ما حرم الله” 1 والله أعلم.
وقال إلكيا: إن كانت الإباحة هي الأصل فالحظر أولى, وهذا ليس من المتعارض, فنقدم الإباحة على طريان الحظر, فكأن الإباحة في حكم المنسوخ. وإن كان الحظر هو الأصل فالأخذ بالإباحة أولى. أما إذا تعارضا ولم يعلم أصل أحدهما فهو موضع التوقف:
– فذهب عيسى بن أبان إلى أن الحظر يرجح, وقيل: إنه مذهب الكرخي, لأن الحرام يغلب.
– وقال أبو هاشم: يستحيل ورود الخبرين في الحظر والإباحة ولا يمكن تقدير المستحيل.
ثم قال إلكيا: والحق ما قاله أبو هاشم إذا أمكن من تعارضهما من هذا الوجه والرجوع إلى وجه آخر في الترجيح إما من حيث الاحتياط إذا أمكن القول به في الترجيح على ما بيناه, أو بوجه آخر قدمناه.
فائدة :
من أمثلة هذا القسم أن القاضي بكارا والمزني اجتمعا في جنازة, وكان القاضي يريد أن يسمع كلام المزني, فسأل بعض أصحابه المزني فقال: يا أبا إبراهيم, جاء في الأحاديث تحريم النبيذ, وجاء تحليله, فلم قدمتم التحريم على التحليل؟ فقال المزني: لم يذهب أحد من العلماء إلى أن النبيذ كان حراما في الجاهلية ثم نسخ, ووقع الاتفاق على أنه كان حلالا. فهذا يعضد صحة الأحاديث بالتحريم, فاستحسن ذلك منه.
ـــــــ
1 رواه البيهقي في الكبرى “9/326” من قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ورواه القضاعي في مسند الشهاب “2/106” مرفوعا عن عبد الله بن عمر بلفظ “إن محرم الحلال كمحلل الحرام” والصحيح أنه موقوف انظر كتاب الوقوف على الموقوف “1/63”.

اكتب تعليقًا