لما تقدم وجوده عليها وذهب الأستاذ أبو إسحاق وأبو منصور إلى اشتراطه وحمل على اشتراط ممارسته الفقه كما صرح به الغزالي فقال: إنما يحصل الاجتهاد في زماننا بممارسته فهو طريق تحصيل الدربة في هذا الزمان, ولم يكن الطريق في زمن الصحابة وكلام الأستاذ أبي إسحاق يخالفه, فإنه قال: يشترط معرفته بجمل من فروع الفقه يحيط بالمشهور وببعض الغامض كفروع الحيض والرضاع والدور والوصايا والعين والدين.
قال: واختلف أصحابنا في المتعلق بالحساب والصحيح أنه شرط, لأن منها ما لا يمكن استخراج الجواب منه إلا بالحساب وكذلك قال الأستاذ أبو إسحاق: معرفة أصول الفرائض والحساب والضرب والقسمة لا بد منه.
والحاصل أنه لا بد أن يكون محيطا بأدلة الشرع في غالب الأمر, متمكنا من اقتباس الأحكام منها, عارفا بحقائقها ورتبها, عالما بتقديم ما يتقدم منها وتأخير ما يتأخر وقد عبر الشافعي رحمه الله عن الشروط كلها بعبارة وجيزة جامعة فقال: “من عرف كتاب الله نصا واستنباطا استحق الإمامة في الدين”.
وليس من شرط المجتهد أن يكون عالما بكل مسألة ترد عليه, فقد سئل مالك عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين: لا أدري وكثيرا ما يقول الشافعي: لا أدري وتوقف كثير من الصحابة في مسائل وقال بعضهم: من أفتى في كل ما سئل عنه فهو مجنون.
وهذا كله في المجتهد المطلق. أما المجتهد في حكم خاص فإنما يحتاج إلى قوة قامة في النوع الذي هو فيه مجتهد, فمن عرف طرق النظر القياسي, له أن يجتهد في مسألة قياسية وإن لم يعرف غيره وكذا العالم بالحساب والفرائض هذا بناء على جواز تجزؤ الاجتهاد وهو الصحيح كما سيأتي.
وأما المجتهد المقيد الذي لا يعدو مذهب إمام خاص فليس عليه غير معرفة قواعد إمامه وليراع فيها ما يراعيه المطلق في قوانين الشرع قال ابن دقيق العيد: من عرف مأخذ إمام واستقل بإجراء المسائل على قواعده ينقسم إلى قسمين:
– أحدهما : أن تكون تلك القواعد مما يختص بها ذلك الإمام وبعض المجتهدين معه فهذا يمكن فيه الاجتهاد المقيد.
– وأما القواعد العامة التي لا تختص ببعض المجتهدين, ككون خبر الواحد حجة, والقياس, وغير ذلك من القواعد فهو محتاج إلى ما يحتاج إليه المجتهد المطلق فتنبه لهذا وقد استقل قوم من المقلدين ببناء أحكام على أحاديث غير صحيحة, مع أن تلك