البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص498

في اشتغالهم عن الطريق المفضية إلى ذلك وتوقيف الفتيا على حصول المجتهد يفضي إلى حرج عظيم فالمختار قبول فتوى الراوي عن الأئمة المتقدمين كما سيأتي. وقال جده الإمام تقي الدين أبو العز المقترح, معترضا على قول إمام الحرمين: “لا يجوز انحطاط العلماء”: إن أراد المجتهدين فلا يصح, لأنه يجوز ذلك في العادة, وزماننا هذا قد يشغر منهم وإن أراد به النقلة فهذا يتجه, فإن العادة لم تقض بانحطاطهم والدواعي تتوفر على نقل الأحاديث ولفظ المذاهب ونقل القرآن نعم, إن فترت الدواعي وقلت الهمم فيجوز شغور الزمان عنهم, ولم يوجد ذلك, انتهى.
وأما قول الغزالي: وقد خلا العصر عن المجتهد المستقل فقد سبقه إليه القفال شيخ الخراسانيين, فقيل: المراد مجتهد قائم بالقضاء, فإن المحققين من العلماء كانوا يرغبون عنه, ولا يلي في زمانهم غالبا إلا من هو دون ذلك وكيف يمكن القضاء على الأعصار بخلوها عن مجتهد والقفال نفسه كان يقول للسائل في مسألة الصبرة: تسأل عن مذهب الشافعي أم ما عندي؟ وقال, هو والشيخ أبو علي والقاضي الحسين: لسنا مقلدين للشافعي, بل وافق رأينا رأيه فماذا كلام من يدعي رتبة الاجتهاد ولم يختلف اثنان أن ابن عبد السلام بلغ رتبة الاجتهاد وكذلك ابن دقيق العيد, كما قاله ابن الرفعة.
والحق أن العصر خلا عن المجتهد المطلق, لا عن مجتهد في مذهب أحد الأئمة الأربعة وقد وقع الاتفاق بين المسلمين على أن الحق منحصر في هذه المذاهب, وحينئذ فلا يجوز العمل بغيرها, فلا يجوز أن يقع الاجتهاد إلا فيها.
مسألة
الصحيح جواز تجزؤ الاجتهاد1, بمعنى أنه يكون مجتهدا في باب دون غيره وعزاه الهندي للأكثرين, وحكاه صاحب النكت “عن أبي علي الجبائي وأبي عبد الله البصري قال ابن دقيق العيد: وهو المختار, لأنه قد يمكن العناية بباب من الأبواب الفقهية حتى يحصل المعرفة بمأخذ أحكامه وإذا حصلت المعرفة بالمأخذ أمكن الاجتهاد وقال الرافعي تبعا للغزالي: يجوز أن يكون العالم بمنصب الاجتهاد في باب دون باب والناظر في مسألة المشاركة تكفيه معرفة أصول الفرائض, ولا يضره أن لا يعرف الأخبار الواردة في تحريم المسكر مثلا.
ـــــــ
1 انظر الوسيط ص “518” إرشاد الفحول ص “254”.

اكتب تعليقًا