فصل في زمانه
الصحيح أنه لا يشترط في جواز الاجتهاد أن يكون المجتهد غير النبي صلى الله عليه وسلم, ولا أن يكون في غير زمن النبوة, وفيه مسألتان:
إحداهما: في جواز الاجتهاد للأنبياء عليهم الصلاة والسلام:
أجمعوا على أنه كان يجوز لهم أن يجتهدوا فيما يتعلق بمصالح الدنيا وتدبير الحروب ونحوها وقد فعلوا ذلك, كما قال سليم, وكذلك ابن حزم ومثله بإرادة النبي عليه السلام أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة1, فهذا مباح لأن لهم أن يهبوا من أموالهم ما أحبوا وكذلك قوله في تلقيح ثمار المدينة, لأنه يباح للمرء أن يلقح نخلة وأن يتركها, قال: وقد أخبرني بعضهم أنه ترك ثماره سنين دون تأبير فاستغنى عنه, انتهى.
فأما اجتهادهم في أمر الشرع فاختلفوا أنه هل كان لهم أن يجتهدوا فيما لا نص فيه؟ على مذاهب:
الأول – ليس لهم ذلك, لقدرتهم على النص, بنزول الوحي وقد قال تعالى: {إن هو إلا وحي يوحى} [النجم:4] والضمير عائد على النطق وحكاه الأستاذ أبو منصور عن أصحاب الرأي وقال القاضي في التقريب”: كل من نفى القياس أحال تعبده صلى الله عليه وسلم به.
قلت: وهو ظاهر اختيار ابن حزم, واحتج بأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا سئل ينتظر الوحي ويقول: “ما أنزل علي في هذا الشيء” , ذكر ذلك في حديث زكاة الحمر2, وميراث البنين مع الزوج والعمة قال: ولنا أخذه عليه السلام الفداء ثم نزل عتابه عليه, فلا ينكر أن يفعل عليه الصلاة والسلام ما لم يتقدم نهي ربه تعالى فيه, إلا أنه لا يترك بل لا بد من تنبيهه عليه3.
ـــــــ
1 ذكر القصة كاملة ابن اسحاق لي مغازي انظر فتح الباري في شرح حديث “413”.
2 الحديث رواه البخاري كتاب تفسير القرآن باب {ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} حديث “4963” ورواه مسلم حديث “987”.
3 انزر الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم “5/125”.