الثاني – ما يتعلق بالمسائل الأصولية: ككون الإجماع حجة, وكون القياس وخبر الواحد حجة, وكالخلاف في اشتراط انقراض العصر في الإجماع, وفي الحاصل عن اجتهاد, ومنه اعتقاد كون المصيب واحدا في الظنيات.
قال الغزالي: فهذه المسائل وأدلتها قطعية, والمخالف فيها آثم مخطئ. وقال أبو الحسين في “شرح العمد”: لا يجوز التقليد في أصول الفقه, ولا يكون كل مجتهد مصيبا, بل المصيب واحد, بخلاف الفقه في الأمرين, قال: والمخطئ في أصول الفقه يلحق بأصول الدين. كذا قال ولم يحك فيه خلافا.
قال القرافي: وقد خالف جماعة من الأئمة في مسائل ضعيفة المدارك, كالإجماع السكوتي, والإجماع على الحروب ونحوهما فلا ينبغي تأثيمه, لأنها ليست قطعية, كما أنا في أصول الدين لا نؤثم من يقول: العرض يبقى زمانين أو بنفي الخلا وإثبات الملا وغير ذلك.
الثالث – ما يتعلق بالأحكام الشرعية الفقهية: فقال الأصم وبشر المريسي: إن الحق فيها واحد وأن أدلتها قاطعة, فلذلك من تعدى الحق فيها فهو مخطئ وآثم, فكيف بمسائل العقائد, وإنما يستقيم هذا المذهب إذا لم يكن القياس حجة, وكذلك خبر الواحد والعمومات كلها, فالحجج المثبتة لكون هذه حجة يلزمها بطلان هذا المذهب.
وأما جمهور الأمة فقد قالوا: إن هذه المسائل منها ما لا يسوغ فيه الاجتهاد, ومنها ما ليس كذلك, والتي لا يسوغ فيها الاجتهاد وهي التي أدلتها قاطعة فيها, فإنا نعلم بالضرورة أنها من دين النبي عليه الصلاة والسلام كوجوب الصلوات الخمس وصوم رمضان وتحريم الزنى والخمر, والمخطئ في هذا كافر لتكذيبه الله تعالى ورسوله. ومنها ما ليس كذلك, كجواز بيع الحصا, وتحريم الخنزير والمخطئ في هذه آثم غير كافر.
وأما التي يسوغ فيها الاجتهاد فهي المختلف فيها, كوجوب الزكاة في مال الصبي, ونفي وجوب الوتر وغيره مما عدمت فيها النصوص في الفروع, وغمضت فيها الأدلة ويرجع فيها إلى الاجتهاد, فليس بآثم.
قال ابن السمعاني: ويشبه أن يكون سبب عوضها امتحانا من الله لعباده, ليتفاضل بينهم في درجات العلم ومراتب الكرامة, كما قال تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة: 11] {وفوق كل ذي علم عليم}