البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص534

وقال: لولاه لكنت لا أعده من أحزاب الأصوليين. ثم قال: والمختار عندنا أن كل مجتهد مصيب في عمله قطعا.
وقال في “المستصفى”1: المختار عندنا وهو الذي يقطع به ويخطئ المخالف فيه, أن كل مجتهد مصيب في الظنيات, وأنه ليس فيها حكم معين لله تعالى.
وقال إلكيا: انقسموا على قسمين: غلاة ومقتصدة.
فالغلاة افترقوا من وجهين:
“أحدهما” ذهب بعضهم إلى أنه يجوز لكل منها أن يأخذ بالتحريم والتحليل من غير اجتهاد, إذا علم أنه يستدرك كل واحد منهم بالاجتهاد, ويأخذ بما يشاء. وقال الأستاذ أبو إسحاق: هذا المذهب أوله سفسطة وآخره زندقة, أما السفسطة فلكونه حلالا حراما في حق كل واحد, وأما الزندقة فهو مذهب أصحاب الإباحة.
و “الثاني” ذهب بعضهم إلى أن المطالب متعددة. فلا بد من أصل الاجتهاد, ولكن المطلوب من كل مجتهد ما يؤدي إليه الاجتهاد.
وأما المقتصدة فقالوا: كل مجتهد مصيب في عمله قطعا, ولا يقطع بإصابة ما عند الله, وادعوا أن في الآراء المختلفة حكما عند الله هو أشبه بالصواب, وهو شوق المجتهدين ومطلوب الباحثين, وربما عبر عنه بأنه الحق والصواب, غير أن المجتهد لم يكلف غير إصابته. وهذا القول عن أبي حنيفة نصا.
وأما القائلون بأن الحق في واحد فيما دل عليه دليل, والمجتهد مقصر بالنظر فيه والمصير إليه, ومن قصر في ذلك ولم يصر إليه فإنه مخطئ فيه, ويختلف خطؤه على قدر ما يتعلق به الحكم, فقد يكون كبيرة, وقد يكون صغيرة. وهذا مذهب الغلاة, ومنهم الأصم والمريسي, وهو قول أصحاب الظواهر فيما طريقه الاستدلال.
وقيل: في واحد منهما وعليه دليل, إلا أن المجتهد إذا لم يصل إليه لدقته وغموض طريقه فهو معذور آثم, وهو قول أكثر أصحاب الشافعي ونفر من الحنفية.
وحكي. عن الشافعي أنه قال في الفروع التي لها أصل واحد وهو الذي يسمى طريق إثباتها القياس الجلي, والقياس المعنى أن المصيب فيها واحد, والفروع التي تتجاذبها أصول كثيرة ويسمى طريق إثباتها قياس علية الأشباه أن كل مجتهد فيها مصيب, وهو الذي حكاه عنه المحصلون.
ـــــــ
1 انظر المستصفى “2/363”.

اكتب تعليقًا