البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص537

وكل مجتهدين اختلفا في شيء فالحق في واحد من قولهما. قالا: هذا هو مذهبه ولا معنى للاشتغال بأشياء أطلقها وكان مراده فيها ما عرف من مذهبه. انتهى. وهذا ما حكاه الأشعري بخراسان عنه وعن المعتزلة أن كل مجتهد مصيب. قال ابن الصباغ: ونسبة هذا إلى الأشعري أشهر, لأن كلا منهم مأمور بالعمل بما أدى إليه اجتهاده, وغير الحق لا يؤمر بالعمل به. وعلى هذا فهل يقول: الحكم والحق على كل واحد من المجتهدين ما غلب على ظنه, أو يقول: الحق واحد وهو أشبه مطلوب, إلا أن كل واحد منهم مكلف بما غلب على ظنه لإصابة الأشبه؟ فيه وجهان:
أصحهما: الأول, واختاره القاضي الحسين والغزالي وحكاه ابن الصباغ عن المعتزلة والأشعرية. قال القاضي الحسين: لأنه يجوز أن يكون المقصود من الأمر شيئا واحدا, والمطلوب من المأمور غيره, ألا ترى أن من أبق عبده فقال لعبيده: اطلبوه. فالمقصود من الأمر وجود الآبق, ومن العبيد طلبه فحسب, فإن لم يجدوه فما ذمهم من حيث لم يتوانوا فيه فكذا هنا.
– وبالثاني أجاب أصحابنا العراقيون, كما قال الرافعي وحكوا عن القاضي أبي حامد, وزعم القاضي في التقريب أن كلام الشافعي في الرسالة وفي “كتاب الاستحسان “وفي “رسالة المصريين “محتمل, وأن الأظهر من كلامه والأشبه بمذهبه ومذهب أمثاله من العلماء القول بأن كل مجتهد مصيب. وتابعه إمام الحرمين فقال: ليس للشافعي نص في المسألة على التخصيص لا نفيا ولا إثباتا, وإنما اختلفت النقلة عنه في استنباطهم من كلامه. وليس كما قال, بل نصوصه في الرسالة1 وغيرها طافحة به.
والطريق الثاني – القطع بالأول, ويحكى عن أبي إسحاق المروزي وأبي علي الطبري والأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني وأبي إسحاق الرازي. وهو اختيار القاضي أبي الطيب.
والثالث – التفصيل بين قياس العلة وقياس الشبه, وهذه طريقة إلكيا في النقل عن الشافعي كما سبق, وكذلك نقلها عنه صاحب “الكبريت الأحمر “قال: زل كثير من الناس فظنوا أن مذهب الشافعي أن الحق في واحد في جميع المواضع, وإلا فكيف كان يسوغ له مخالفة أبي حنيفة في كثير من الأحكام, فلهذا قال: ما ليس له
ـــــــ
1 انظر الرسالة “489, 496” مختصر ابن الحاجب “2/293”.

اكتب تعليقًا