البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص540

دلالته على المطلوب فهو مخطئ وآثم وفاقا, وإن لم يكن مع العلم ولكن قدر في البحث عنه فكذلك, وإن لم يقصر بل بالغ في الاستكشاف والبحث ولم يعثر على وجه دلالته على المطلوب فحكمه حكم ما إذا لم يجده مع الطلب الشديد, وسيأتي.
وإن لم نجده فإن كان لتقصير في الطلب فهو مخطئ, وآثم, وإن لم يقصر بأن بالغ في التنقيب عنه وأفرغ الوسع في طلبه ومع ذلك لم يجده. فإن خفي عليه الراوي الذي عنده النص, أو عرفه ولكن مات قبل وصوله إليه فهو غير آثم قطعا, وهل هو مخطئ أم مصيب؟ على الخلاف الآتي فيما لا نص فيه, وأولى أن يكون مخطئا. وأما التي لا نص فيها فإما أن يقال: لله فيها قبل اجتهاد المجتهد حكم معين, أو لا, بل حكمه تابع لاجتهاد المجتهد. فهذا الثاني قول من قال: كل مجتهد مصيب, وهو مذهب جمهور المتكلمين, كالشيخ أبي الحسن الأشعري والقاضي والغزالي والمعتزلة, كأبي الهذيل وأبي علي وأبي هاشم وأتباعهم, ونقل عن الشافعي وأبي حنيفة. والمشهور عنهما خلافه.
وهذا في أنه وإن لم يوجد في الواقعة حكم معين فهل وجد فيها ما لو حكم الله فيها بحكم لما حكم إلا به أو لم يوجد ذلك؟ والأول: هو القول بالأشبه, وهو قول كثير من المصريين وإليه صار أبو يوسف ومحمد بن الحسن وابن سريج في إحدى الروايتين عنه. قال القاضي في “مختصر التقريب”: ذهب بعضهم في الأشبه إلى أنه ليس هذا بل هو أولى طرق الشبه في المقاييس والعبر, ومثلوا ذلك بإلحاق الأرز بالبر بوصف الطعم أو القوت أو الكيل, وأحد هذه الأوصاف أشبه عند الله وأقرب في التمثيل.
وأما الثاني فقول المخلص من المصوبة.
وأما الأول وهو أن لله في الواقعة حكما معينا, فإما أن يقال: عليه دلالة أو أمارة فقط, أو ليس عليه دلالة ولا أمارة.
فأما “القول الأول”: وهو أن على الحكم دليلا يفيد العلم فهو قول بشر المريسي والأصم وابن علية, وهؤلاء اتفقوا على أن المجتهد مأمور بطلبه, وأنه إذا وجده فهو مصيب, وإذا أخطأه فهو مخطئ, ولكنهم اختلفوا في المخطئ هل يأثم ويستحق العقاب؟ فذهب بشر إلى التأثيم وأنكره الباقون لخفاء الدليل وغموضه. واختلفوا أيضا في أنه هل ينقض قضاء القاضي فيه؟ فذهب الأصم إلى أنه ينقض, وخالفه الباقون.
وأما “القول الثاني”: وهو أن على الحكم أمارة فقط فهو قول أكثر الفقهاء الأئمة الأربعة وكثير من المتكلمين, وهؤلاء اختلفوا, فمن قائل: إن المجتهد غير مكلف بإصابته لخفائه وغموضه وإنما هو مكلف بما غلب على ظنه, فهو وإن أخطأ – على

اكتب تعليقًا