البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص543

الرابع – ما ليس للشرع فيه حكم معين, ولكن قيل للمجتهدين: اطلبوا الحكم وترددوا بين رأيين, وكل واحد من الرأيين مساو للآخر في الصلاح والفساد عند الله تعالى وكل واحد من المجتهدين هاهنا مصيب.
وهذا يمكن وقوعه في الشرع, والعقل: أما شرعا فكل حكم نيط باجتهاد الولاة, كتفرقة العطاء على المسلمين والتسوية بينهم أو التفاوت, كما اختلف فيه أبو بكر وعمر, إذ ليس فيه نص على عينه ولا على مسألة قريبة منه يقال: إنه في معناه, ولكن فيه إهمال لمصلحة تميز الفاضل من الفضول, وهو من المصالح, وفي التفاوت إحدى المصلحتين دون الأخرى, ومهما قوبل ما في إحداهما من المضرة بما في إحداهما من المصلحة يجوز أن تترجح إحداهما, ويجوز أن تتساويا في علم الله بالجبر والمقابلة. وإذا تساويا في علم الله كان كل واحد صوابا. ولولا هذا لرد المفضول في زمن عمر بعض ما أخذه في زمان أبي بكر. أو لامتنع الفاضل في زمن عمر من أخذ الزيادة. وكلهم أجمعوا على أخذ المالين وتقرير الحكمين. فهذا منهم إجماع على أن كل مجتهد مصيب.
وكذلك تقدير العقوبة والنفقات, كما في شرب الخمر, إذ لا يبعد أن يكون في الترقي إلى الثمانين مضرة من وجه ومصلحة من وجه. وكذا الاقتصار على الأربعين, وهما عند الله متساويان بالجبر والمقابلة. وكذا كل واقعة لا نص فيها ولا هي في معنى المنصوص.
الخامس – مسألة تدور بين نصين متعارضين, فحكم الله فيه الأصلح إن كان معقول المعنى, فيلحق بالقسم الرابع والثالث. وحكم الله فيه الأخذ بالأشبه إذا لم يكن معقول المعنى. وقد يكون أحدهما عند الله أشبه, وقد تكون نسبته في الشبه إلى الجانبين على التساوي في علم الله. فهذا ممكن, وإذا أمكن فكل واحد من القولين صواب ولا مخطئ فيه. إذ الخطأ والصواب يستدعي شيئا معينا يعسر الوقوف عليه بالصواب, وعن الغفلة عنه بالخطأ, وهاهنا يتعين أحد الجانبين على الآخر فإذا إن كان التساوي في الصلاح أو الشبه ممكنا في علم الله فقد صح ما قلناه, ومن أنكر هذا وإمكانه أثبت عليه بقواطع العقل, فإن المباحات كلها إنما سوى الشرع بين فعلها وتركها لتساويها عنده في صلاح الخلق.
وكذلك سائر أحكام السياسات وجميع مسائل تقابل الأصلين يكاد يكون من هذا الجنس, إذ قلما يكون فيها ترجيح, فإذا قضى قاض بتحليف أحد, وقضى آخر بتحليف الآخر فقد أصابا, بل أقول: لو استوى عند قاض واحد المصلحة والمضرة في

اكتب تعليقًا