البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص544

أمرين, أو استوى عنده الشبه بالأصلين أو الاستصحاب في مقابل الأصلين وامتنع الترجيح صار مخيرا كما في سائر المباحات.
فإذا من المسائل ما يعلم أن المصيب فيها واحد, وهو كل ما يعلم أنه لا يخلو عن حكم مذكور في زمان النبي صلى الله عليه وسلم, كالخيل مثلا في أنه هل يحل أكله, لأنه مع كثرته في زمان الرسول يعلم أنه ما أغفله عن بيان حكمه, فيقطع بأن المصيب واحد. وإن لم يبلغنا فيه نص مثلا, فهذا حكم المجتهدين عند الله, فأما عندنا فلا يطلع عليه في حق آحاد الأشخاص وأعيان المسائل. ويدل على ذلك تشديد ابن عباس وعائشة في بيع العينة واعتقادهم أن ذلك مجاوزة لحكم ثابت بإجماع. وإجماع الصحابة في زمان عمر على أخذ الفضل يدل على وجود القسم الثاني. انتهى.
وقال ابن دقيق العيد في “شرح العنوان”: اختلفوا في كل مجتهد في الفروع مصيب أم لا, وهو بناء على أنه هل لله تعالى في الواقعة حكم معين أم لا, ولنقدم عليه مقدمة وهي أن لله تعالى حكمين:
” أحدهما “: مطلوب بالاجتهاد ونصب عليه الدلائل والأمارات فإذا أصيب حصل أمران أحدهما أجر الإصابة, والآخر أجر الاجتهاد.
و ” الثاني “: وجوب العمل بما أدى إليه الاجتهاد وهذا متفق عليه. فمن ينظر إلى هذا الحكم الثاني ولم ينظر في الأول قال: إن حكم الله على كل أحد ما أدى إليه اجتهاده. ومن نظر إلى الأول قال: المصيب واحد. وكلا القولين حق من وجه دون وجه.
أما أحدهما فبالنظر إلى وجوب المصير إلى ما أدى إليه الاجتهاد. وأما الآخر فبالنظر إلى الحكم الذي في نفس الأمر المطلوب بالنظر.
واحتج القائلون بأن المصيب واحد بقوله عليه السلام: “إذا اجتهد الحاكم وأصاب” 1 لأنه صرح بالإصابة والخطأ وهو يستلزم أمرا معينا. وقوله تعالى: {ففهمناها سليمان} [الانبياء: 79] وهذا القول منسوب إلى الأئمة الأربعة خلا أحمد بن حنبل.
وقال المتكلمون: كل مجتهد مصيب.
قال: ونحن قد بينا غور المسألة, وهو أنه إن أريد الإصابة بالنسبة إلى الحكم
ـــــــ
1 حديث صحيح سبق تخريجه قريبا.

اكتب تعليقًا