البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص549

يلزم من ذلك أن يكون الواقع في نفس الأمر. ليس إلا أنه ليس كل مجتهد مصيبا. وقولك أنه مصيب قلنا: وكذلك خصمه أيضا مصيب. بناء على القول المصوب بحكم الله في حق هذا أنه ليس كل مجتهد مصيبا, غير أنه في حق خصمه أن كل مجتهد مصيب.
الرابع – سلمنا أن هذه المسألة من المسائل الاجتهادية الفقهية, لكن ما الذي يعني القائل بأن كل مجتهد مصيب؟ إما أن يعتقد بطلان قول القائل بأن المصيب واحد أو يعتقد صحته. وإن عنيت بالباطل ما لا يكون مطابقا لما في نفس الأمر, وبالصحة ما يكون مطابقا له فهو فاسد منا, لأنه محل النزاع, كيف وأن مذهب القائل بتصويب الجميع أنه لا حكم له أصلا, وإنما الأحكام تابعة لظنون المجتهدين. وإن عنيت بالباطل والحق ما في ظن المجتهدين من غير أن يكون في الواقعة حكم معين في نفس الأمر فجميع الأحكام الاجتهادية على هذا التقدير حق وصواب, فإذا القول بتصويب الكل وعدمه حق وصواب, لأنه غالب على ظن تقييده.
الخامس : إن من فروع هذه المسألة اقتداء الشافعي, كما قال إمام الحرمين في النهاية “والأصح فيه الصحة إلا أن يتحقق إخلاله بما يشترطه ويوجبه, لأنا نقطع بالمخالفة حينئذ, لاحتمال أن يكون مذهبا راجحا عنده. ولهذا قال القاضي أبو الطيب: لا يجوز للشافعي أن يفوض القضاء إلى الحنفي في مسألة يعتقد المفوض أن مذهب أبي حنيفة [فيها] غير صحيح, لأنه يعين على ما يعتقد تحريمه. قال: ولكن يجوز أن يفوض إليه الحكم فيها, لاحتمال أن يتغير اجتهاده فيوافق الشافعي, فلا يكون المفوض عند التفويض معينا على ما يعتقد منعه.
فروع:
الأول: قد راعى الشافعي وأصحابه خلاف الخصم في مسائل كثيرة, وهو إنما يتمشى على القول بأن مدعي الإصابة لا يقطع بخطأ مخالفه, وذلك لأن المجتهد لما كان يجوز خلاف ما غلب على ظنه ونظر في متمسك خصمه فرأى له موقعا راعاه على وجه لا يخل بما غلب على ظنه, وأكثره من باب الاحتياط والورع, وهذا من دقيق النظر والأخذ بالحزم. وقال القرطبي: ولذلك راعى مالك الخلاف, قال: وتوهم بعض أصحابه أنه يراعي صورة الخلاف وهو جهل أو عدم إنصاف. وكيف هذا وهو لم يراع كل خلاف وإنما راعى خلافا لشدة قوته.

اكتب تعليقًا