البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص550

قلت: وقد يراعي الشافعي الخلاف المشدد على نفسه دون غيره, ولهذا لما قرر القصر على مرحلتين قال: فأما أنا فأحب أن لا أقصر في أقل من ثلاثة أيام احتياطا على نفسي.
قال القاضي أبو الطيب: وهو كقوله: إذا مرض الإمام أنه يصلي قاعدا والناس قيام خلفه. و لا أفضل له أن يستخلف من يصلي بهم حتى يخرج من الخلاف. وله نظائر كثيرة.
على أن الإبياري استشكل استحباب الخروج من الخلاف, فإن الأمة إذا اختلفت على قولين بالتحريم والإباحة فالقول بأن الترك متعلق بالثواب, والفعل جائز قول لم يقل به أحد. نعم, الورع يليق به.
ثم اعلم أن عين الخلاف لا ينتصب شبهة ولا يراعى بل النظر إلى المأخذ وقوته. قال الروياني في باب الشهادات من البحر”: لو كان الخلاف بنفسه ينتصب شبهة لاستوت المسألتان, يعني مسألة إيجاب الحد على الحنفي بشرب النبيذ وشهادته, وإنما الشبهة في الدلائل.
الثاني : لو كان الزوجان مجتهدين فخاطبها الزوج بلفظة نوى بها الكناية في الطلاق, ولا نية. وترى المرأة أنها صريحة فيه, فللزوج طلب الاستمتاع بها, ولها الامتناع منه, عملا مع كل منهما بمقتضى اجتهاده, وطريق قطع المنازعة بينهما أن يراجعا مجتهدا آخر ليحكم بينهما بما يؤدي إليه اجتهاده, سواء قلنا: المصيب واحد, أم كل مصيب. فإن كانا مقلدين قلد من شاء, فإن اختلفا يخير إن استويا, وإلا فيقلد الأعلم والأورع, وإن كانت تتعلق بغيره عمل بما قلنا في المجتهدين. هكذا قال في المحصول وغيره.
وأما القاضي فذكر في مختصر التقريب “أن من القائلين بأن المصيب واحد من صار في هذه الصورة إلى الوقف حتى يرفع الأمر إلى القاضي. فعلى هذا يكون حكم الله فيها هو الوقف ظاهرا وباطنا حتى يرفع أمرها إلى القاضي فينزلها على اعتقاد نفسه, وهذا حكم الله حينئذ.
ومنهم من قال: تسلم المرأة إلى الزوج الأول, فإن نكحها نكاحا يعتقد صحته وهو السابق به فلا يبعد أن يكون هذا هو الحكم. قال: وهذه الصورة وأمثالها من المجتهدات, وفيها تقابل الاحتمالات, فيجتهد المجتهد فيها عندنا وما أدى إليه اجتهاده فهو حق من وقف أو تقديم أو غيرهما من وجوه الجواب.

اكتب تعليقًا