“التقريب” بابا في إمكان التقليد في جملة أصوله وفروعه. ثم لما فرغ عقد بابا في أنه لا يجوز التقليد في فروع الأحكام, كما لا يجوز في أصولها.
المسألة الثانية: في أن أخذ العامي بقول المجتهد, هل يسمى تقليدا أم لا؟ فقيل: ليس بتقليد, لأنه لا بد له من نوع اجتهاد, وبه جزم القاضي والغزالي والآمدي وابن الحاجب. وحكاه العبادي في زيادته “عن الأستاذ أبي إسحاق, لأنه بذل مجهوده في الأخذ بقول الأعلم. وقال القاضي في مختصر التقريب”: الذي نختاره أن ذلك ليس بتقليد أصلا, فإن قول العالم حجة في حق المستفتي. نصبه الرب علما في حق العامي, فأوجب عليه العمل به, كما أوجب على المجتهد العمل باجتهاده, واجتهاده علم عليه.
ويتخرج من هذا أنه لا يتصور تقليد مباح في الشريعة, لا في الأصول ولا في الفروع. إذ التقليد على ما عرفه القاضي: اتباع من لم يقم باتباعه حجة ولم يستند إلى علم. قال: ولو ساغ تسمية العامي مقلدا مع [أن] قول العالم في حقه واجب الاتباع جاز أن يسمى المتمسك بالنصوص وغيرها من الدلائل مقلدا. قال القاضي: ولأنه يستند إلى حجة قطعية وهو الإجماع, فلا يكون تقليدا. وهذا بناء منه على أحد تفسيري التقليد.
وذهب معظم الأصوليين – قاله إمام الحرمين – إلى أنه مقلد له فيما يأخذه, لأنا إن فسرناه بقبول القول بلا حجة فقد تحقق ذلك, إذ قوله في نفسه ليس بحجة, وإن فسرناه بقبول القول مع الجهل بمأخذه فهو متحقق في قول المفتي أيضا. قال ابن السمعاني: ولعله الأولى, لأنه لا يعرف حجة ما يصير إليه من الحكم قبل, والإجماع سبق القاضي. على أن العوام يقلدون المجتهدين, ولو لم يكن تقليدا فليس في الدنيا تقليد. ومن نظر كتب العلماء والخلافيين وجدها طافحة بجعل العوام مقلدين, ولهذا قال في “المستصفى” بعدما ذكر أن العامي إذا أخذ بقول المجتهد فهو ظان صدقه, والظن معلوم, ووجوب الحكم عند الظن, وهذا علم قاطع, والتقليد جهل.
فإن قيل: قد رفعتم التقليد من البين. وقال الشافعي: لا يحل لأحد تقليد أحد سوى الرسول, فقد أثبت تقليدا. قلنا: قد صرح بإبطال التقليد إلا ما استثنى, فظهر أنه لم يجعل الاستفتاء, وقبول خبر الواحد, وشهادة العدول تقليدا. نعم, يجوز تسمية قول الرسول تقليدا توسعا واستثناء من غير جنسه. ووجه التجوز أن يقول: قوله وإن كان حجة دلت على صدقه جملة فلا يطلب منه حجة على غير تلك المسألة, فكان