الحنابلة فقالوا: مشهور مذهبنا منع التقليد والغزالي يميل إليه, وحكاه القاضي عياض في “الشفاء” عن غيره.
وقال الأستاذ أبو إسحاق: ذهب قوم من كتبة الحديث, أن طلب الدليل فيما يتعلق بالتوحيد غير واجب, وإنما الغرض هو الرجوع إلى قول الله ورسوله, ويرون الشروع في موجبات العقول كفرا, وإن الاستدلال والنظر ليس هو المقصود في نفسه, وإنما وهو طريق إلى حصول العلم حتى يصير بحيث لا يتردد, فمن حصل له هذا الاعتقاد الذي لا شك فيه, من غير دلالة, فقد صار مؤمنا وزال عنه كلفة طلب الأدلة, ومن أحسن الله إليه, أنعم عليه بالاعتقاد الصافي من الشبهة والشكوك, فقد أنعم عليه بأكل أنواع النعم وأحلها, حتى لم يكله إلى النظر والاستدلال, لا سيما العوام, فإن كثيرا منهم تجده في صيانة اعتقاده أكثر ممن شاهد ذلك بالأدلة.
ومن كان هذا وصفه, كان مقلدا في الدليل, غير أن أصحابنا أجمعوا, على أن هذا الاعتقاد يجب أن يكون في النيات, بحيث لا يرد عليه من الشبهة. إلا ما يرد على صاحب الاستدلال, وجزم الأستاذ أبو منصور بوجوب النظر, ثم قال: فلو اعتقد من غير معرفة بالدليل, فاختلفوا فيه, فقال أكثر الأئمة: إنه مؤمن من أهل الشفاعة, وإن فسق بترك الاستدلال, وبه قال أئمة الحديث, وقال الأشعري وجمهور المعتزلة: لا يكون مؤمنا, حتى يخرج فيها عن جملة المقلدين. انتهى.
وقد اشتهرت هذه المقالة عن الأشعري, أن إيمان المقلد لا يصح, وقد أنكر أبو القاسم القشيري, والشيخ أبو محمد الجويني, وغيرهما من المحققين صحته عنه, وقيل: لعله أراد به قبول قول الغير بغير حجة, فإن التقليد بهذا المعنى قد يكون ظنا, وقد يكون وهما, فهذا لا يكفي في الإيمان.
أما التقليد بمعنى الاعتقاد الجازم لا الموجب, فلم يقل أحد أنه لا يكفي في الإيمان, إلا أبو هاشم من المعتزلة وإذا منعنا التقليد في ذلك قال الأستاذ أبو إسحاق: فاتفقوا على أنه لا يجب أن يبلغ فيه رتبة الاجتهاد, بحيث يحل له الفتوى في الحكم.
وقال ابن السمعاني: إيجاب معرفة الأصول على ما يقوله المتكلمون, بعيد جدا عن الصواب, ومتى أوجبنا ذلك فمتى يوجد من العوام من يعرف ذلك؟ ويصدر عقيدته عنه؟ كيف وهم لو عرضت عليهم تلك الأدلة لم يفهموها, وإنما غاية العامي, أن يتلقى ما يريد – أن يعتقده ويلقى [به] ربه – من العلماء, ويتبعهم في ذلك ويقلدهم, ثم يسلم عليها بقلب طاهر عن الأهواء والإدخال, ثم يعض عليها بالنواجذ,