البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص564

العلماء” 1 قال: ويقال لمن حكم بالتقليد: هل لك من حجة فإن قال: نعم, أبطل التقليد, لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد وإن قال بغير علم, قيل له: فلم أرقت الدماء, وأبحت الفروج والأموال, وقد حرم الله ذلك إلا بحجة. فإن قال: أنا أعلم أني قد أصبت, وإن لم أعرف الحجة, لأن معلمي من كبار العلماء. قيل له: تقليد معلم معلمك أولى من تقليد معلمك, لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عن معلمه كما لم يقل معلمك إلا بحجة قد خفيت عنك, فإن قال: نعم ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه, وكذلك حتى ينتهي إلى العالم من الصحابة, فإن أبى ذلك نقض قوله, وقيل له: كيف يجوز تقليد من هو أصغر وأقل علما, ولا يجوز تقليد من هو أكبر وأغزر علما وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه حذر من زلة العالم2. وعن ابن مسعود. رضي الله عنه أنه قال “لا يقلدن أحدكم دينه, رجلا, فإن آمن آمن وإن كفر كفر فإنه لا أسوة في الشر”3.
وأما وجوبه على العامة, فلقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43] وقوله: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} [التوبة: 122] فأمر بقبول قول أهل العلم فيما كان من أمر دينهم, ولولا أنه يجب الرجوع إليهم لما كان للنذارة معنى, ولقضية الذي شج, فأمروه أن يغتسل, وقالوا: لسنا نجد لك رخصة فاغتسل ومات فقال النبي عليه السلام: “قتلوه قتلهم الله, إنما كان شفاء العي السؤال” 4 فبان بذلك جواز التقليد.
ـــــــ
1 رواه البخاري كتاب العلم باب كيف يقبض العلم حديث “100” عن عبد الله بن عمر بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رءوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا” ورواه مسلم حديث “2673”.
2 روي ذلك من قول عمر رضي الله عنه موقوفا رواه الدارمي في سننه “1/82” في المقدمة باب في كراهة أخذ الرأي حديث “214” عن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا قال: “يهدمه زلة العالم وجدال المنافق بالكتاب وحكم الأئمة المضلين”.
3 رواه الطبراني في الكبير “9/152” حديث “8764” موقوفا على ابن مسعود كما قال المصنف ورواه البيهقي في الكبير “2/10” حديث “2070” وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد “1/181” وقال: رواه الطبراني في الكبير وفيه المسعود وقد اختلط وبقية رجاله ثقات.
4 الحديث رواه أبو داود “1/93” كتاب الطهارة باب في المجروح يتيمم حديث “336” عن جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال: “قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال…” الحديث وهذا القدر منه صحيح.

اكتب تعليقًا