نوع يشترك في معرفته الخاصة والعامة, ويعلم من الدين بالضرورة, كالمتواتر, فلا يجوز التقليد فيه لأحد, كعدد الركعات, وتعيين الصلاة, وتحريم الأمهات والبنات, والزنى, واللواط, فإن هذا مما لا يشق على العامي معرفته, ولا يشغله عن أعماله, وكذا في أهلية المفتي.
ونوع مختص معرفته بالخاصة, والناس فيه ثلاثة ضروب: مجتهد, وعامي, وعالم لم يبلغ رتبة الاجتهاد.
أحدها: العامي الصرف:
والجمهور على أنه يجوز له الاستفتاء, ويجب عليه التقليد في فروع الشريعة جميعها, ولا ينفعه ما عنده من العلوم لا تؤدي إلى اجتهاد, وحكى ابن عبد البر فيه الإجماع, ولم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها, وأنهم المرادون بقوله: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} قال: وأجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره في القبلة, نقل لك من لا علم له ولا بغيره بمعنى ما يدين به. انتهى.
ومنع منه بعض معتزلة بغداد, كالتقليد في الأصول, وقالوا: يجب عليه الوقوف على طريق الحكم وعلته, ولا يرجع إلى العالم, إلا لتنبيهه على أصولها, ونقله القاضي عبد الوهاب, عن الجعفر بن مبشر, وابن حرب منهم عن الجبائي: يجوز في المسائل الاجتهادية دون ما طريقه القطع, فإنه يصير مثل العقليات ونحوه.
قول الأستاذ: يجب عليه تحصيل علم كل مسألة في الفقه يدركها القطع, ويجوز له التقليد في ظنياته إلى القطعيات, الفروع بالأصول.
وحكى ابن برهان الخلاف على وجه آخر, فقال: من صار له التقليد, لم يجب عليه السؤال عن الدليل, ونقل عن أبي علي الجبائي أنه قال: يجب عليه أن يعلم كل مسألة بدليلها. وصار بعض الناس إلى أن المسائل الظاهرة يجب عليه معرفتها دون الخفية. انتهى.
وإذا قلنا بأن وظيفة العامي التقليد جاء الخلاف السابق أنه هل هو تقليد حقيقة؟ فالقاضي يمنعه ويقول إنما مستدل, لأن الله تعالى أوجب عليه اتباع العالم, وهو خلاف يرجع إلى العبارة, لأن القائل بالتقليد لم ير إلا هذا, ولكن لسان حملة الشريعة جرى على صحة إطلاق التقليد للعامي, والنهي عن إطلاق الاجتهاد عليه.
الثاني : العالم الذي حصل بعض العلوم المعتبرة ولم يبلغ رتبة الاجتهاد:
فاختار ابن الحاجب وغيره أنه كالعامي الصرف, لعجزه عن الاجتهاد. وقال