قوم: لا يجوز ذلك ويجب عليه معرفة الحكم بطريقه, لأن صلاحية معرفة الأحكام بخلاف غيره. ويجيء عليه الخلاف السابق عن الجبائي والأستاذ هنا من باب الأولى.
وما أطلقوه من إلحاقه هنا بالعامي فيه نظر. لا سيما أتباع المذاهب المتبحرين, فإنهم لم ينصبوا أنفسهم نصبة المقلدين. وقد سبق قول الشيخ أبي علي وغيره من أصحابنا: لسنا مقلدين للشافعي وكذلك الإشكال في إلحاقهم بالمجتهدين, إذ لا يقلد مجتهد مجتهدا. ولا يمكن أن يكون واسطة بينهما. لأنه ليس لنا سوى حالتين.
قال ابن المنير: والمختار أنهم مجتهدون ملتزمون أن لا يحدثوا مذهبا. أما كونهم مجتهدين فلأن الأوصاف قائمة بهم. وأما كونهم ملتزمين أن لا يحدثوا مذهبا فلأن إحداث مذهب زائد بحيث يكون لفروعه أصول وقواعد مباينة لسائر قواعد المتقدمين متعذر الوجود, لاستيعاب المتقدمين سائر الأساليب. نعم, لا يمتنع عليهم تقليد إمام في قاعدة, إذا ظهر له صحة مذهب غير إمامه في واقعة لم يجز له أن يقلد إمامه, لكن وقوع ذلك مستبعد, لكمال نظر من قبله. وسبق في آخر الكلام على شروط المجتهد كلام لابن دقيق العيد يتعلق بما نحن فيه.
الثالث: أن يبلغ المكلف رتبة الاجتهاد:
فإن كان اجتهد في الواقعة فلا يجوز له تقليد غيره من المجتهدين فيها, خلاف ما ظنه, بلا خلاف, لأن ظنه لا يساوي الظن المستفاد من غيره, والعمل بأقوى الظنين واجب. و [لو] خالف وحكم بخلاف ظنه فقد أثم, وإن كان مذهبا لغيره. وهل ينتقض حكمه؟ فيه وجهان للحنابلة, ذكره صاحب المستوعب”, وهو يقدح في نقل ابن الحاجب الاتفاق على بطلان حكمه. واستثنى القاضي أبو الطيب من هذا القسم ما إذا كان حكما يجب هل أو عليه يحتاج في فصله إلى حاكم بينهما باجتهاده, فيجوز له تقليده في هذه الصورة.
وإن لم يكن قد اجتهد ففيه بضعة عشر مذهبا1:
الأول – المنع منه مطلقا, وإليه ذهب الأكثرون, منهم القاضي أبو الطيب وابن الصباغ, واختاره الرازي والآمدي وابن الحاجب. قال الباجي: وهو قول أكثر أصحابنا, وهو الأشبه بمذهب مالك, وسواء كان الوقت موسعا أو مضيقا, ونقله الروياني عن عامة الأصحاب, وظاهر نص الشافعي, ذكره في أول البحر “وكذا نقله
ـــــــ
1 انظر الرسالة ص “115” المنخول ص “477” الإحكام للآمدي “4/402”.