كانوا في سفينة وخفيت عليهم جهة القبلة قلدوا الملاحين. قال أبو العباس: وهذا مذهب الشافعي, لأنه قال في الصلاة: فإن خفيت عليه الدلائل فهو كالأعمى, وقد ثبت أن الأعمى يقلد. ورد عليه أبو إسحاق بأنه جعله كالأعمى في الصلاة يصلي على حسب حاله ثم يعيد, ليس في أنه يجوز له التقليد. وقد حكى الروياني في البحر “هذا المذهب عن ابن سريج ثم غلطه. وقال ابن دقيق العيد: وقيل, إن ضاق الوقت عن الاجتهاد فله ذلك. وهذا قريب لأن المكنة التي جعلناها سببا لوجوب الاجتهاد قد تعذرت بسبب تضيق الوقت. وقد نفى القفال الخلاف بين الأصحاب في المنع من التقليد مع التمكن من الاجتهاد, ولكن المحكي عن ابن سريج نقله عن صاحب “التلخيص” سماعا منه.
والتاسع – أنه لا يجوز لغير القاضي والمفتي في المشكل عليه. حكاه القفال الشاشي عن بعض أصحابنا قال: لأنه في المشكل عليه كالعامي, ولكن الحاكم لا ضرورة له إلى التقليد بما عنده من الأقاويل وتولي غيره الحكم فيه. وكذلك المفتي يفوض ذلك إلى غيره من أهل العلم, بخلاف المجتهد إذا حلت به نازلة, فإنه مضطر إلى تعريف الحكم, فإذا اشتبه عليه ولم يصل إلى تعريف الحكم إلا بتقليد غيره وجب عليه. وهو قريب من السابع.
والعاشر – أنه يجوز للقاضي دون غيره. وهذا ظاهر ما نقله الأستاذ أبو منصور عن ابن سريج, فإنه نصب الخلاف في حاكم تحضره الحادثة ويضيق الوقت عن الاجتهاد. ونقل عن ابن سريج أنه يجوز له أن يحكم بالتقليد ولا يفتي به إلا بعد اجتهاده, قال: وقال أكثر أصحابنا: ليس له الحكم بالتقليد, كما ليس له الإفتاء, وعليه أن يؤخر حتى يجتهد أو يستخلف من اجتهد فيه قبله. انتهى.
وقضيته أن المنع من الإفتاء محل وفاق. وجعل ابن كج في كتابه في الأصول والشيخ أبو علي السنجي الخلاف في تقليده في حق نفسه, فإن أراد أن يقلده ليفتي غيره أو يحكم به على غيره ولم يجز له بالاتفاق.
وحكى الماوردي وابن الصباغ والبغوي والرافعي عن ابن سريج: إن حضر ما ينوبه, كالحكم بين المسافرين وهم على الخروج جاز أن يقلد غيره ويحكم. قال الرافعي: وينبغي أن يطرده في الفتوى. وخالف ابن الرفعة وفرق بأن المستفتي بسبيل من تقليد المجتهد. ولا ضرورة إذا ولا حاجة بإفتاء المقلد, ولا كذلك الحاكم, خصوصا إذا منع من الاستخلاف.