البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص575

واحد” فلأنه غير مأمور بما في نفس الأمر بل بما أدى إليه اجتهاده, وإن كان المراد به في نظر المجتهد, فكذلك أيضا, لأن مثل هذا القول إذا كان له الحكم المؤدي إليه اجتهاده دليل, ثم يقول: “إذا صح حديث أقوى مما عندي, فذلك مذهبي, فخذوا به, واتركوا قولي “فكيف يصح هذا مع عدم المعارض؟, قال ابن الصلاح: وقد عمل بهذا جمع من الأصحاب, كالبويطي والداركي, وغيرهما من الأصحاب, وليس هذا بالهين, فليس كل فقيه يسوغ أن يستقل بالعمل بما يراه حجة من المذهب, وقد عمل أبو الوليد بن الجارود بحديث تركه الشافعي, وأجاب عنه, وهو حديث “أفطر الحاجم والمحجوم” 1, وعن ابن خزيمة أنه قيل له: هل تعرف سنة للرسول في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي كتابه؟ قال: لا.
قال أبو عمرو: وعند هذا نقول: إن كان فيه آلات الاجتهاد مطلقا, أو في ذلك الباب, أو في تلك المسألة, كان له الاستقلال بالعمل بذلك الحديث, وإن لم تكتمل آلته, ووجد في قلبه حزازة من الحديث, ولم يجد له معارضا بعد البحث, فإن كان قد عمل بذلك الحديث إمام مستقل فله التمذهب به, ويكون ذلك عذرا له في ترك قول إمامه, وقال أبو زكريا النووي إنما يكون هذا لمن له رتبة الاجتهاد في المذهب, أو قريب منه, وشرطه أن يغلب على ظنه, أن الشافعي لم يقف على هذا الحديث, أو لم يعلم صحته, وهذا إنما يكون بعد مطالعة كتب الشافعي كلها, ونحوها من كتب أصحاب الآخذين عنه, وهذا شرط صعب, قل من يتصف به.
وقال ابن الزملكاني: إن كانت له قوة للاستنباط, لمعرفته بالقواعد, وكيفية استثمار الأحكام من الأدلة الشرعية, ثم استقل بالمنقول, بحيث عرف ما في المسألة من إجماع أو اختلاف, وجمع الأحاديث التي فيها, والأدلة, ورجحان العمل ببعضها, فهذا هو المجتهد في الجزئي, والمتجه أنه يجب عليه العمل بما قام عنده على الدليل, ولا يسوغ له التقليد.
وإذا تأمل الباحث عن حال الأئمة المنقول أقاويلهم, وعدوا من أهل الاجتهاد, ثم أنهم إنما عدوا لذلك لاستجماعهم شروط الاجتهاد الكلية المشتركة بين جميع المسائل, وأحاطوا بأدلة جملة غالب من الأحكام, وقد علم من حال جمع منهم
ـــــــ
1 رواه أبو داود “2/308” كتاب الصوم باب الصائم يحتجم ححديث “2367” ورواه ابن ماجة حديث “1680” وهو حديث صحيح.

اكتب تعليقًا