في بعض المسائل عدم الاطلاع على ما ورد في تلك المسألة, ومنهم من يعلق القول على صحة حديث لم يكن قد صح عنده, ومنهم من يقول: إن صح هذا الحديث, كذا, وإن صح قلت به, ثم يجد تلك الزيادة قد صحت, وهذا الحديث المعلق عليه قد صح, أو يعلل رد الحديث بعلة ظهرت له يظهر انتفاؤها, ومثل ذلك في قول الأئمة كثير, ولا سيما من كثر أخذه بالرأي وترجيح الأقيسة.
فإذا كان هذا الموصوف يقلد الإمام في مسائل يسوغ له التقليد فيها, وقع له في مسألة هذه الأهلية, تعين عليه الرجوع إلى الدليل والعمل به, وامتنع عليه التقليد, وأما من لم يبلغ هذه الدرجة, بل له أهلية النظر والترجيح, وفيه قصور عن جميع أهلية الاجتهاد المشتركة, ولكن جمع أدلة تلك المسائل كلها, وعرف مذهب العلماء فيها, لهذا لا يتعين عليه العمل بقول إمامه, ولا بهذا الدليل, بل يجوز له التقليد, وينبغي له تقليد من الحديث في جانبه إذا لم يعلم اطلاع إمامه عليه وتركه لعلة فيه, أو لوجود أقوى منه.
أما إن كان قد جمع أهلية الاجتهاد المشتركة بين جميع المسائل, ولم يجمع أدلة هذه المسائل, بل رأى فيها حديثا يقوم بمثله الحجة فهذا له أحوال:
أحدها : أن يعلم حجة إمامه, كمخالفة مالك لعمل أهل المدينة على خلافه, فإن كان ممن يعتقد رجحان مذهب إمامه بطريقه فليعمل بقوله, وهو أولى, وإن لم يتعين.
الثانية : أن يعلم إجمالا, أن لإمامه أو لمن خالف العمل بهذا الحديث أدلة, يجوز معها المخالفة أو يقوى, فلا يتعين عليه, بل لا يترجح مخالفة إمامه, وله تقليد القائل بالحديث من المجتهدين.
الثالثة : أن لا يعلم الحجة المقتضية لمخالفة الحديث إجمالا ولا تفصيلا, ولكن يجوز أن يكون للمخالف حجة تسوغ معها المخالفة, وأن لا يكون لكونه لم يجمع أدلة تلك المسألة نقلا واستدلالا, فالأولى بهذا تتبع المآخذ, فإذا لم يتبين له ما يعارض الحديث من أدلة القرآن والسنة, فالعمل بالحديث أولى تقليدا لمن عمل به, وله البقاء على تقليد إمامه. ويدل لهذا ما استقرئ من أصول الصحابة ومقلديهم, فإنهم لم ينكروا على من استفتاهم في مسألة, وسأل غيرهم عن أخرى, أمر بالعود إلى من قلد قبل ذلك.