البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص586

مسألة
المجتهد يجوز له الإفتاء وأما المقلد فقال أبو الحسين البصري وغيره: ليس له الإفتاء مطلقا. وجوزه قوم مطلقا إذا عرف المسألة بدليلها. فذهب الأكثرون إلى أنه إن تحرى مذهب ذلك المجتهد, واطلع على مأخذه, وكان أهلا للنظر والتفريع على قواعده جاز له الفتوى, وإلا فلا. ونقله القاضي حسين عن القفال. قال القاضي: وله أن يخرج على أصوله. إن لم يجد له تلك الواقعة.
قال الروياني: وأصل الخلاف أن تقليد المستفتي هل هو لذلك المفتي, أو لذلك الميت, أي: صاحب المذهب؟ وفيه وجهان: فإن قلنا: “للميت “فله أن يفتي, وإن قلنا: “للمفتي” فليس له ذلك, لأنه لم يبلغ مبلغ المجتهدين. وقال العلامة مجد الدين بن دقيق العيد في “التلقيح”: توقيف الفتيا على حصول المجتهد يفضي إلى حرج عظيم, أو استرسال الخلق في أهوائهم. فالمختار أن الراوي عن الأئمة المتقدمين إذا كان عدلا متمكنا من فهم كلام الإمام ثم حكى للمقلد قوله فإنه يكتفي به, لأن ذلك مما يغلب على ظن العامي أنه حكم الله عنده. وقد انعقد الإجماع في زماننا على هذا النوع من الفتيا. هذا مع العلم الضروري بأن نساء الصحابة كن يرجعن في أحكام الحيض وغيره إلى ما يخبر به أزواجهن عن النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك فعل علي – رضي الله عنه – حين أرسل المقداد في قصة المذي1. وفي مسألتنا أظهر, فإن مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم إذ ذاك ممكنة, ومراجعة المقلد الآن للأئمة السابقين متعذرة. وقد أطبق الناس على تنفيذ أحكام القضاة مع عدم شرائط الاجتهاد اليوم. انتهى.
وقال آخرون: إن عدم المجتهد جاز له الإفتاء, وإلا فلا. وقيل: يجوز لمقلد الحي أن يفتي بما شافهه به أو ينقله إليه موثوق بقوله, أو وجده مكتوبا في كتاب معتمد عليه. ولا يجوز له تقليد الميت. وجعل القاضي في “مختصر التقريب “الخلاف في العالم, قال: وأجمعوا على أنه لا يحل لمن شدا شيئا من العلم أن يفتي. انتهى. قال الماوردي والروياني: إذا علم العامي حكم الحادثة ودليلها, فهل له أن يفتي لغيره؟
ـــــــ
1 يشير إلى ما رواه البخاري في صحبحه كتاب العلم باب من استحيا فأرسل غيره بالسؤال حديث “132” عن علي بن أبي طالب قال: كنت رجلا مذاء فأمرت المقداد بن الأسود أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: “فيه الوضوء” ورواه مسلم حديث “303”.

اكتب تعليقًا